في أعماق جبال هندوكوش الوعرة جنوب غرب باكستان، حيث تتقاطع الجغرافيا القاسية مع تاريخ طويل من التمرد والعنف، يكمن كنز معدني تُقدّر قيمته بتريليونات الدولارات.
نحاس، وليثيوم، وكوبالت، وذهب، ثروات حيوية يحتاجها العالم بشدة في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ غير أن الطريق إلى هذه المعادن لا يمر فقط عبر الأنفاق والمناجم، بل عبر مواجهة دموية مع جماعات مسلحة تحمل أسلحة أمريكية الصنع.
في العام الماضي وحده، استُخرج نحو 22 ألف طن من النحاس من منجم محمد خيل قرب الحدود الأفغانية، بقيمة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، قبل أن تُنقل الشحنات إلى الصين.
وتؤكد باكستان أن ما لم يُستخرج بعد يفوق ذلك بكثير، في وقت أبدت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتمامًا واضحًا بالوصول إلى هذه الموارد، ضمن مساعي واشنطن لكسر هيمنة بكين على سلاسل توريد المعادن الحيوية.
تسيطر الصين اليوم على أكثر من 90% من إنتاج المعادن الأرضية النادرة المكررة عالميًا، وهي مواد تدخل في تصنيع كل شيء تقريبًا: من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية وأنظمة التسليح المتقدمة.
هذا الاحتكار جعل المعادن أداة جيوسياسية فعالة بيد بكين، ودفع واشنطن إلى البحث المحموم عن بدائل.
في هذا السياق، برزت باكستان كهدف مغرٍ. فإسلام آباد تؤكد أن احتياطياتها المعدنية قد تصل قيمتها إلى 8 تريليونات دولار.
وقد خصصت الولايات المتحدة أكثر من مليار دولار لدعم مشاريع استخراج المعادن، أبرزها مشروع "ريكو ديك" في إقليم بلوشستان، الذي يُعد أحد أكبر احتياطيات النحاس غير المطورة في العالم.
لكن هذه الثروات تقع في مناطق تُعد من الأخطر أمنيًا في البلاد.
منذ الانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان العام 2021، تغيّر ميزان القوة في المناطق الحدودية؛ فقد تُركت خلف القوات المنسحبة ترسانة هائلة من الأسلحة المتطورة، شملت بنادق M-16 وM-4، ورشاشات M249، وأجهزة رؤية ليلية ومعدات مراقبة.
اليوم، تظهر هذه الأسلحة في أيدي مسلحين من حركة طالبان الباكستانية وجيش تحرير بلوشستان، وهم يخوضون مواجهات عنيفة مع الجيش الباكستاني قرب مواقع التعدين.
واطّلعت شبكة CNN على مئات القطع من الأسلحة الأمريكية الصنع التي صادرتها القوات الباكستانية من المسلحين، بعضها كان يحمل بوضوح ختم "ملكية حكومة الولايات المتحدة".
ويؤكد أطباء عسكريون أن طبيعة الإصابات تغيّرت؛ فبدل شظايا العبوات الناسفة، باتوا يعالجون إصابات قنص وإطلاق نار بعيد المدى، كثير منها يحدث ليلًا، في ظل امتلاك المسلحين أجهزة رؤية ليلية متطورة.
وفق بيانات الجيش الباكستاني، قُتل أكثر من 1200 شخص، بينهم مدنيون وعسكريون، في هجمات مسلحة خلال العام 2025 وحده، أي ضعف عدد الضحايا المسجلين العام 2021. وتصف القيادة العسكرية الوضع في المناطق الحدودية بأنه "حرب مفتوحة".
وفي بلوشستان، حيث تقع أهم مشاريع التعدين، كثّف جيش تحرير بلوشستان هجماته، مستهدفًا قوات الأمن والبنية التحتية.
وتقول السلطات إن معظم الأسلحة المستخدمة مصدرها أفغانستان، وإن العديد من المقاتلين يحملون جنسيات أفغانية، وهو ما تنفيه طالبان.
بالنسبة لواشنطن، تمثل باكستان فرصة استراتيجية لكسر احتكار الصين للمعادن الحيوية. لكن المفارقة القاسية أن الأسلحة الأمريكية نفسها أصبحت أحد أكبر العوائق أمام هذا الهدف.
فالكنز المعدني الذي تسعى الولايات المتحدة للوصول إليه محاط بحزام من العنف، غذّاه فراغ أمني تركته سياسات سابقة؛ وبينما تُوقَّع الاتفاقيات وتُعلن أرقام التمويل، يدفع الجنود والمدنيون ثمنًا إنسانيًا فادحًا على الأرض.
في باكستان، لا يُطرح سؤال "كم تساوي هذه المعادن؟" فقط، بل أيضًا؛ كم من الدم سُيسفك للوصول إليها؟