مع تصاعد الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج واتساع دائرة التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط، بدا أن أنظار العالم انصرفت مؤقتًا عن الحرب في أوكرانيا.
وعلى وقع هذا الفراغ الجيوسياسي، تحركت موسكو لتعديل تكتيكاتها العسكرية، ناقلة المعركة الجوية من تدمير البنية التحتية إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على إرهاق الدفاعات الجوية الأوكرانية واستنزاف مخزونها من الصواريخ.
فخلال عام 2025 ركزت الضربات الروسية على منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، في محاولة لإضعاف قدرة كييف على الصمود اقتصاديًا ولوجستيًا، ولكن الأشهر الأخيرة كشفت تحولًا تدريجيًا في طبيعة العمليات، مع تصاعد غير مسبوق في استخدام الطائرات المسيرة، في إطار ما يسميه محللون عسكريون استراتيجية "الإرهاق المتراكم".
ومع تصاعد وتيرة الهجمات الإيرانية في المنطقة العربية، تطور هذا الأسلوب إلى هجمات مركبة ومتزامنة من اتجاهات متعددة، تُغرق المجال الجوي الأوكراني بعشرات بل مئات المسيّرات في وقت واحد، وهو ما يجبر كييف على إطلاق صواريخ اعتراض مرتفعة الكلفة.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن هذا التكتيك تزامن مع لحظة انشغال دولي ملحوظة بسبب التصعيد الإيراني في الشرق الأوسط، وهو ما منح موسكو مساحة عملياتية أوسع لتكثيف الضربات دون ضغوط دولية موازية لتلك التي كانت قائمة في مراحل سابقة من الحرب.
أمام هذا الضغط المتواصل، بدأت كييف توسيع اعتمادها على وسائل الحرب الإلكترونية للتشويش على المسيّرات بدلاً من إسقاطها بالكامل، في محاولة للحفاظ على مخزونها من صواريخ الاعتراض.
وكثفت أوكرانيا عملياتها داخل العمق الروسي لاستهداف منصات الإطلاق ومنظومات الدفاع، في محاولة لخلق ممرات هجومية تخفف الضغط عن أجوائها.
ويرى خبير الشؤون الدفاعية جيمس بوسبوتينيس أن الضربات الروسية في عام 2026 لم تعد تقتصر على إحداث دمار واسع في البنية التحتية الأوكرانية، بل باتت ترتكز بصورة متزايدة على منطق إغراق منظومات الدفاع الجوي واستنزافها تدريجيًا.
وأوضح بوسبوتينيس لـ"إرم نيوز"، أن موسكو ما زالت تستهدف شبكات الطاقة ومنشآت الصناعات الدفاعية والقواعد الجوية، لكنها في الوقت ذاته تعتمد على هجمات كثيفة ومركبة بهدف إنهاك قدرات الاعتراض الأوكرانية.
وأضاف أن التوقيت الجيوسياسي يلعب دورا مهما في هذا التحول، إذ إن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط نتيجة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والصراع المتنامي بين الولايات المتحدة وإسرائيل أدى إلى تشتيت جزء من التركيز الدولي، وهو ما منح روسيا فرصة لتكثيف عملياتها الجوية بوتيرة أعلى.
وأشار إلى أن روسيا، لتفادي استنزاف مخزونها من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، مدعومة بوسائل خداع وتمويه.
واستشهد بوسبوتينيس بهجوم 26 شباط/ فبراير 2026 الذي استُخدمت فيه 459 ذخيرة بينها أكثر من 280 طائرة مسيّرة، معتبرًا أن هذا الرقم يعكس تحولا واضحا نحو أدوات منخفضة الكلفة نسبيًا لكنها عالية التأثير من حيث الإرباك العملياتي.
ولفت إلى تقارير تتحدث عن سعي موسكو لتنفيذ هجمات قد تتجاوز 1000 مسيرة في ضربة واحدة، ما يفرض على كييف استهلاك صواريخ الاعتراض بوتيرة متسارعة، خاصة لمنظومات مثل "باتريوت".
وأوضح أن معركة السماء الأوكرانية تحولت تدريجيًا إلى معركة استنزاف متبادل، حيث لا يقتصر الهدف على تدمير الأصول العسكرية، بل يتعداه إلى إنهاك قدرة الخصم على الدفاع عنها.
من جانبه، يرى سمير أيوب، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، أن موسكو انتقلت من مرحلة التركيز على خطوط الجبهة إلى استراتيجية أوسع تقوم على إنهاك القدرات الدفاعية الأوكرانية تمهيدًا لفرض وقائع ميدانية جديدة.
وقال أيوب لـ"إرم نيوز" إن التقديرات الروسية في بداية الحرب لم تكن تتوقع مستوى الجهوزية الأوكرانية، وهو ما دفع لاحقًا إلى تعديل النهج العسكري بعد تعثر الرهانات على حسم سريع أو تغير داخلي في كييف.
وأضاف أن التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، خاصة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، خلق بيئة دولية أكثر تعقيدًا، وهو ما قد يدفع بعض القوى الغربية إلى توزيع اهتمامها العسكري والسياسي بين أكثر من جبهة، الأمر الذي تحاول موسكو الاستفادة منه لتعزيز الضغط على أوكرانيا.
وأشار إلى أن روسيا باتت تعتبر مختلف البنى العسكرية الأوكرانية أهدافًا مشروعة إذا شكلت تهديدًا مباشرًا، لافتًا إلى أن سياسة الاستنزاف تكثفت بعد عام 2023 عبر الاستخدام الواسع للمسيرات بهدف إنهاك منظومات الدفاع الجوي الغربية وعلى رأسها "باتريوت".
واعتبر المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، أن إطلاق صواريخ اعتراضية مرتفعة الكلفة ضد مسيّرات منخفضة الثمن يخلق معادلة استنزاف ضاغطة على كييف.
وأضاف أن المسيّرات تحولت إلى سلاح مركزي في الاستراتيجية الروسية، سواء لضرب الأهداف في العمق أو لتمهيد الطريق أمام صواريخ بعيدة المدى مثل "إسكندر وكينغال"، وهو ما يعكس تغير قواعد الضرب الجوي من التركيز على التدمير المباشر إلى الجمع بين الإرباك والاستنزاف والتمهيد الناري المركز.
وأكد أيوب أن موسكو ترى في هذا التصعيد وسيلة ردع وضغط سياسي في الوقت ذاته، خاصة في ظل تزايد الأزمات الدولية، وهو ما يجعل الحرب في أوكرانيا جزءًا من مشهد صراعات أوسع يتداخل فيه الشرق الأوسط مع أوروبا.