العالم

مع تعثر التفاوض مع واشنطن.. إيران تستجدي الوساطة الروسية

من لقاء بوتين وبزشكيانالمصدر: (أ ف ب)

في وقتٍ تفقد فيه القناة التفاوضية المباشرة بين واشنطن وطهران زخمها تدريجيًا، تتجه إيران إلى موسكو لإعادة صياغة مقاربة التفاوض عبر توسيعها خارج الإطار الثنائي.

وبحسب ما أفادت به مجلة "نيوزويك"، فإن هذه الخطوة "محاولة واضحة لتفكيك الأزمة إلى مسارات متعددة يمكن إدارتها بشكل منفصل، بدل السعي إلى تسوية شاملة تبدو بعيدة المنال في الظروف الحالية".

وذكرت المجلة، أن "زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى روسيا ولقاءه الرئيس فلاديمير بوتين تأتي في لحظة سياسية حساسة، حيث لم تنجح الجهود القائمة حتى الآن في تحقيق أي اختراق فعلي، سواء على مستوى تثبيت وقف دائم لإطلاق النار أو إعادة فتح مضيق هرمز، الذي لا يزال يمثل نقطة اختناق مركزية في أسواق الطاقة العالمية".

 

أخبار ذات صلة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ترامب يعقد اجتماعًا اليوم لبحث جمود المفاوضات مع إيران

 

ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدّد وقف إطلاق النار المعلن في 7 أبريل/نيسان إلى أجل غير مسمى، فإن هذا القرار يعكس في جوهره محاولة لاحتواء التصعيد أكثر من كونه تقدمًا نحو تسوية، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية، خصوصًا حول البرنامج النووي الإيراني وآليات التعامل مع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.

شبكة وساطات

ولا يمكن فصل التحركات الإيرانية الأخيرة عن إدراك متزايد داخل طهران بأن التفاوض الثنائي مع الولايات المتحدة لم يعد كافيًا للتعامل مع أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الملفات النووية مع الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.

وفي هذا السياق، تنقل "نيوزويك" عن الباحث حميد رضا عزيزي قوله، إن طهران تتجه إلى "تدويل" مسار التفاوض، عبر إشراك أطراف متعددة، بحيث يتولى كل طرف معالجة جانب محدد من النزاع، بدل محاولة التوصل إلى اتفاق شامل عبر قناة واحدة.

ويفسر هذا النهج تعدد الوجهات الدبلوماسية لعراقجي خلال الفترة الأخيرة، من موسكو إلى مسقط وإسلام آباد، في محاولة لبناء شبكة وساطات متوازية تسمح بتوزيع الضغط والتفاوض على أكثر من مستوى، وهو ما يمنح إيران هامش مناورة أوسع في مواجهة الضغوط الأمريكية.

في قلب العقدة النووية

وضمن هذه المقاربة، تبرز روسيا كطرف يمتلك القدرة على التدخل في أكثر الملفات حساسية، وهو ملف اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يمثل نقطة الخلاف الرئيسية في المفاوضات.

وتشير التقديرات، وفق ما نقلته المجلة، إلى أن موسكو قد تعيد إحياء نموذج مشابه لما جرى في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، حين نُقل اليورانيوم المخصب إلى روسيا مقابل تزويد إيران بوقود نووي للاستخدام المدني، وهو حل وسط قد يخفف من حدة الخلاف الحالي.

 

 

غير أن هذا الخيار يصطدم بتعقيدات سياسية واضحة، في مقدمتها رفض إيران تسليم موادها النووية مباشرة إلى الولايات المتحدة، إلى جانب التغير الجذري في البيئة الجيوسياسية، حيث لم تعد روسيا وسيطًا تقليديًا بقدر ما أصبحت طرفًا في صراع مفتوح مع الغرب.

وفي هذا السياق، يرى الباحث فوك فوكسنوفيتش أن موسكو تمتلك ميزة نادرة تتمثل في احتفاظها بقنوات اتصال مع جميع الأطراف، لكنها في الوقت ذاته تتحرك وفق حسابات استراتيجية تجعل من أي دور وساطة جزءًا من توازنات أوسع، وليس مجرد تدخل تقني محدود.

ولا يمكن فصل الدور الروسي المحتمل عن حسابات القوة على المستوى الدولي. وبحسب ما أوردته "نيوزويك"، فإن موسكو قد تنظر إلى انخراطها في الملف الإيراني كفرصة لإعادة التفاوض مع الغرب في ملفات أخرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

هذا يعني أن الوساطة الروسية، في حال تحققت، لن تكون حيادية بالكامل، بل جزءًا من عملية مقايضة أوسع، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مسار التفاوض، ويجعل من الصعب فصل الملف الإيراني عن بقية الصراعات الدولية.

بلا ضمانات

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، يعكس التقارب بين إيران وروسيا مسارًا متصاعدًا، تُوّج بتوقيع اتفاق شراكة استراتيجية في يناير 2025، دون أن يصل إلى مستوى تحالف دفاعي ملزم.

وتشير المعطيات التي أوردتها "نيوزويك"، إلى وجود تعاون عسكري وتقني بين الطرفين، بما في ذلك استخدام روسيا للطائرات المسيّرة الإيرانية في أوكرانيا، مقابل أشكال من الدعم الاستخباراتي والتقني لطهران، في إطار ما وصفه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بـ"التعاون المتبادل".

ومع ذلك، فإن هذا التقارب لا يغيّر من حقيقة أن روسيا تواجه قيودًا تجعل قدرتها على تقديم دعم حاسم لإيران محدودة، خصوصًا في ظل انشغالها بصراعات أخرى تستنزف مواردها.

ورغم الحديث عن دور روسي محتمل، يرى عدد من المحللين أن هذا الدور سيبقى محدود التأثير على مسار الأزمة.

 

 

وفي هذا الإطار، ينقل تقرير "نيوزويك" عن الأكاديمي أورليان كولسون أن موسكو قد توفر غطاءً دبلوماسيًا أو دعمًا سياسيًا لإيران، لكنها غير قادرة على تقديم "إنقاذ استراتيجي" فعلي، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي.

ويعكس هذا التقييم نمطًا أوسع في السياسة الروسية، حيث تميل موسكو إلى إدارة الأزمات واستثمارها لتعزيز موقعها التفاوضي، أكثر من سعيها إلى حلّها بشكل نهائي.

مفاوضات بلا مركز قيادة

وفي موازاة ذلك، تكشف التطورات الأخيرة عن خلل واضح في بنية التفاوض نفسها، حيث أدى إلغاء محادثات كانت مقررة في إسلام آباد إلى تعزيز الانطباع بغياب إطار تفاوضي منظم قادر على إدارة هذا التعقيد.

وبحسب ما أوردته "نيوزويك"، فإن تعدد القنوات، إلى جانب غياب الخبرات المتخصصة في الملفات التقنية، خصوصًا النووية، يخلق حالة من التداخل والارتباك، ما قد يؤدي إلى إبطاء التقدم بدل تسريعه.

 

أخبار ذات صلة

عراقجي مع نظيره الباكستاني وقائد الجيش عاصم منير

المقترح الإيراني الجديد.. تفتيت الملفات وإغراق ترامب في تفاصيل هرمز

 

مضاعفة التعقيد

ما تكشفه التحركات الإيرانية نحو موسكو ليس مجرد بحث عن وسيط إضافي، بل محاولة لإعادة تشكيل قواعد التفاوض عبر تفكيك الأزمة وتوزيعها على مسارات متعددة.

لكن في المقابل، فإن هذا النهج، رغم ما يوفره من مرونة، يحمل مخاطر واضحة، إذ يؤدي تعدد الأطراف إلى تعقيد التنسيق، ويجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة، خاصة في ظل تضارب المصالح الدولية وحدود أدوار الوسطاء.

وبينما تتسع خريطة التفاوض، يبقى المسار الحالي أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلّها، في انتظار تغيرات أوسع في موازين القوى قد تعيد فتح الباب أمام تسوية أكثر استقرارًا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC