logo
العالم

واشنطن في جنوب القوقاز.. تثبيت حضور عبر الأمن والطاقة والممرات

رئيس أذربيجان ونائب الرئيس الأمريكي يوقعان اتفاقية شراكةالمصدر: (أ ف ب)

وضع توقيع اتفاق الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان في باكو، العلاقات الثنائية في إطار أكثر انتظامًا، حيث شملت بنود الاتفاق المعلنة: الصناعات الدفاعية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب.

كما كرّس الإعلان أيضًا عن إرسال سفن أمريكية لدعم حماية المياه الإقليمية الأذربيجانية حضورًا أمنيًا في بحر قزوين، ضمن صيغة تعاون مباشر مع الدولة المضيفة.

هذا التطور يعزز موقع أذربيجان كشريك أمني واقتصادي في منطقة ذات حساسية عالية، بحكم اتصالها بروسيا وإيران وتركيا، خاصة أن باكو تتحرك، في السنوات الأخيرة، ضمن شبكة علاقات متعددة، وتضيف إلى هذه الشبكة بعدًا أمريكيًا أوضح في مجالات التكنولوجيا الدفاعية وأمن البنية التحتية للطاقة.

وجاءت زيارة نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، إلى أرمينيا، وتوقيع اتفاق يمهّد لبناء محطة طاقة نووية، لفتح مسار جديد في السياسة الطاقية الأرمينية، حيث يرتبط المشروع المقترح باستثمارات وتقنيات أمريكية، ويؤسس لعلاقة مؤسساتية طويلة الأمد في قطاع إستراتيجي.

وتسعى الحكومة الأرمينية إلى توسيع هامشها في علاقاتها الخارجية بعد تحولات إقليمية متلاحقة، ولينعكس إدخال شريك جديد في ملف الطاقة على موازين الاعتماد الاقتصادي وعلى شكل الشراكات المستقبلية، ليعيد هذا التوجه رسم شبكة المصالح داخل البلاد، ويؤثر على توازناتها الإقليمية.

أخبار ذات علاقة

نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف

واشنطن وأذربيجان توقعان شراكة إستراتيجية لتعزيز التعاون

تحركات مدروسة في جنوب القوقاز

ويقول خبراء في شؤون جنوب القوقاز ومحللون أمنيون، تحدثوا لـ"إرم نيوز"، إن التحرك الأمريكي الأخير يعكس توجهًا عمليًا نحو تثبيت شراكات طويلة الأمد مع باكو ويريفان، عبر أدوات مرتبطة بالأمن والطاقة والبنية التحتية، ما يمنح واشنطن حضورًا مؤسسيًا في منطقة تتغير موازينها بسرعة.

ويرى الخبراء أن توسيع التعاون الدفاعي مع أذربيجان، إلى جانب الدخول إلى قطاع الطاقة الأرميني، يرسخ شبكة مصالح ممتدة تتداخل فيها اعتبارات الاستقرار الحدودي مع حسابات العبور الإقليمي.

ويشيرون إلى أن التطورات الجارية ترتبط بإعادة ترتيب الأولويات الروسية في محيطها الجغرافي، الأمر الذي يفتح مجالًا لتحركات دولية مدروسة في جنوب القوقاز.

وبحسب تقديراتهم، فإن دعم واشنطن لأمن الملاحة في بحر قزوين، ودفع مشروع الممر البري عبر أرمينيا، يعيدان تنظيم خطوط الطاقة والتجارة في الفضاء الممتد بين آسيا وأوروبا، ضمن سياق تنافس متصاعد على البنية التحتية ومسارات الإمداد.

وشملت جولة نائب الرئيس الأمريكي أرمينيا قبل التوجه إلى أذربيجان، وتمت تغطيتها كأول زيارة لشخصية أمريكية بهذا المستوى في التاريخ الحديث للمنطقة. 

كما تمثل الزيارة توسيعًا ملموسًا للحضور الدبلوماسي الأمريكي في البلدين، خاصة مع توقيع اتفاقيات متعددة في مجالات الطاقة والاقتصاد؛ منها اتفاقية للتعاون في الاستخدامات المدنية للطاقة النووية مع أرمينيا ضمن إطار أوسع من الشراكة.

وأكدت تغطيات إخبارية أن الجولة الأمريكية تتضمن دفعًا لمشروع ممر ترانزيت يربط أذربيجان بجيب ناخيتشيفان عبر أرمينيا، والذي سبق أن تم التفاوض بشأنه في إطار اتفاقية السلام بين أرمينيا وأذربيجان في واشنطن في أغسطس/آب العام 2025.

وهذا المشروع يتصدر المناقشات الصحفية باعتباره محورًا للبنية التحتية، وتحركًا اقتصاديًا يمتد من آسيا إلى أوروبا.

البنية التحتية كأداة نفوذ

كذلك يشكّل مشروع الممر الممتد عبر الأراضي الأرمينية لربط أذربيجان بجيب ناخيتشيفان ثم في تركيا محورًا مركزيًا في الجولة الأمريكية.

وبطول 43 كيلومترًا، يغيّر هذا المسار خريطة العبور في جنوب القوقاز، حيث يربط المشروع آسيا بأوروبا عبر شبكة أكثر تماسًا مع تركيا وأذربيجان، ويعيد توزيع أدوار النقل والطاقة في المنطقة.

الكاتب والمحلل البريطاني المتخصص في شؤون جنوب القوقاز والنزاعات ما بعد السوفيتية، توماس دي وال، اعتبر أن التحرك الأمريكي في أذربيجان وأرمينيا يعكس قراءة عملية لمرحلة ما بعد حرب أوكرانيا، حيث تحاول واشنطن تثبيت حضورها في نقاط تعتبرها حساسة لتوازن الطاقة والأمن الإقليمي.

وقال دي وال، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، إن الاتفاق مع باكو يندرج ضمن مسار أوسع يهدف إلى بناء علاقة مؤسساتية مع دولة أصبحت لاعبًا مركزيًا في معادلات العبور والطاقة بين آسيا وأوروبا.

ويركز دي وال على البعد الداخلي في أذربيجان، معتبرًا أن القيادة هناك تسعى إلى توسيع هامشها الإستراتيجي عبر تنويع الشراكات، وأن الانفتاح على الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الأمريكية يمنح باكو أدوات تحديث سريعة في مؤسساتها الأمنية.

هذا التوجه، وفق قراءته، يعيد توزيع موازين القوة داخل المنطقة، ويمنح أذربيجان موقعًا تفاوضيًا أقوى في أي ترتيبات مقبلة تتعلق بالحدود والممرات.

أما في الملف الأرميني، فيشير دي وال إلى أن دخول الولايات المتحدة إلى قطاع الطاقة النووية في أرمينيا يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الاستثمار التقني، حيث تخلق الخطوة شبكة مصالح طويلة الأمد، وتمنح يريفان قدرة أكبر على إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية.

وفي تقديره، جنوب القوقاز يتحول إلى مساحة تفاوض مستمر بين قوى متعددة، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت موقعها عبر أدوات عملية ترتبط بالبنية التحتية والأمن. 

أخبار ذات علاقة

 نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس

نائب الرئيس الأمريكي يزور أرمينيا وأذربيجان

تحرك واشنطن في بحر قزوين

زيارة فانس حظيت بتغطية واسعة في وسائل إعلام عالمية، بما في ذلك شبكات أمريكية وأوروبية وروسية وتركية، ما يدل على أهمية التحركات الأمريكية في المنطقة وإدراجها بقضايا تتعلق بالتجارة والأمن والتعاون الإستراتيجي. 

فيما نقلت وكالات أنباء ومراكز تحليلية ردود فعل موسكو على التحركات الأمريكية في جنوب القوقاز، والتي تعبر عن مقاربة روسية ترى في الزيارة والتوقيع مؤشرات على تغيّر موازين النفوذ في المنطقة.

من جانبه، أفاد الباحث الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية الروسية والأمن الأوروبي، مايكل كوفمان، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، أن موسكو تعيد ترتيب أولوياتها العسكرية، ما يفتح مجالًا لتحركات محسوبة من أطراف أخرى.

هذا السياق يمنح واشنطن مساحة أوسع للعمل، خاصة في ملفات تتعلق بأمن الطاقة والممرات البرية.

ولفت كوفمان إلى أن إرسال دعم بحري إلى أذربيجان يحمل رسالة تتعلق بضمان الاستقرار في بحر قزوين، حيث تتقاطع مصالح الطاقة مع حسابات الأمن.

التحرك الأمريكي، برأيه، يهدف إلى منع أي فراغ قد تستغله قوى إقليمية لإعادة صياغة قواعد اللعبة.

ويقرأ كوفمان هذا المسار ضمن شبكة أوسع من التحركات الأمريكية في شرق أوروبا والبحر الأسود، حيث يجري تعزيز الشراكات الأمنية بصورة تدريجية.

وفيما يخص مشروع الممر البري عبر أرمينيا، يعتبر كوفمان أن أهميته تتصل بإعادة تنظيم حركة العبور بين آسيا وأوروبا، وأن تأثيره سيتجاوز الجغرافيا المباشرة ليطال توازنات أوسع في محيط روسيا وإيران.

وفي تقديره، المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا لقدرة الدول المعنية على إدارة هذا التحول من دون انزلاق إلى توترات ميدانية، في ظل احتدام المنافسة على خطوط الطاقة والبنية التحتية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC