حذر الخبير الجيوسياسي الفرنسي، مدير تحرير موقع "ديبلومات ميديا"، رولان لومباردي، من مخاطر تهدد مستقبل أوروبا في مواجهة الحرب الرقمية التي تشنها جماعة الإخوان المسلمين.
وقال إن أوروبا تتجه نحو "تفتت اجتماعي، وأسلمة سياسية على مستوى البلديات، وتطبيع لموازين القوى المجتمعية".
وكشف لومباردي في تصريح لـ"إرم نيوز"، عن مفارقة أوروبية، مؤكد أن الاتحاد الأوروبي بينما يدعي محاربة التطرف، فإن ضخ 23 مليون يورو لشبكات إخوانية.
وعلق بالقول: "إنه اتساق أيديولوجي، وليس تناقضاً. الاتحاد الأوروبي يفكر بمنطق الأقليات والإدماج، وليس بمنطق موازين القوى والتخريب السياسي. الشبكات الإخوانية استثمرت بشكل مثالي في هذا البرنامج الثقافي الأوروبي، فتقدم نفسها كحواجز ضد التطرف بينما هي في الواقع المصفوفة العقائدية له".
وبينما تخوض أوروبا معركتها مع التمويل المشبوه، تكشف تقارير استخباراتية غربية عن "كتائب إلكترونية" منظمة للإخوان تعمل بدقة عسكرية.
في عام 2020، أزال فيسبوك شبكة ضخمة تضمنت 31 حساباً و25 صفحة تستهدف دولاً عربية متعددة.
وكشف تقرير لجامعة ستانفورد أن هذه الحملات تستخدم علامات تجارية احترافية، حيث تتظاهر بأنها منافذ إخبارية مستقلة أو منظمات مجتمع مدني.
وتؤكد مريم وهبة، المحللة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية، أن الإمبراطورية الإعلامية للإخوان "متنوعة ومنتشرة وشاملة، دون عقل مدبر واحد أو مقر رئيسي". وهذا التشتت المقصود يجعل مواجهتها أكثر صعوبة.
الهدف الحقيقي لهذه الكتائب ليس الدعاية المباشرة، بل خلق "فوضى معلوماتية" تصعّب على المواطنين التمييز بين الحقيقة والكذب.
وبحسب خبير الإرهاب هشام النجار فإن المليشيا الرقمية للإخوان "تنتج محتوى تحريضياً منظماً يهدف إلى تآكل ثقة المواطنين في مؤسساتهم".
في العالم العربي، الخطاب واضح: الغرب فاسد، والحكومات العلمانية خائنة. أما في الغرب، فتستخدم نفس الشبكات لغة الديمقراطية وحقوق الإنسان لتبييض أجندتها.
في 2022، كشف تحقيق سويدي أن موقعاً إسلامياً وزع مقاطع فيديو مزيفة تتهم السويد بـ"اختطاف" أطفال مسلمين، في حملة منظمة لزرع الخوف وتصوير أوروبا كمعادية للإسلام.
بحلول صيف 2014، كان لدى الإخوان المصريين نحو نصف دزينة من الشبكات الفضائية تدعمها تركيا، كما بنت الجماعة إمبراطورية استوديوهات وقنوات في دول عدة وغرف أخبار في لندن.
رغم التقرير الحكومي الفرنسي "المدمر" في مايو أيار 2025 الذي كشف عن 139 مسجداً و280 جمعية مرتبطة بالإخوان، لم تتخذ باريس إجراءات حاسمة.
يفسر لومباردي هذا العجز بالقول: "الدولة الفرنسية ترى بوضوح، لكنها لا تتصرف كثيراً. الأيديولوجيا الجمهورية الكونية تمنع من التفكير في الخصم كمشروع سياسي منظّم. يضاف إلى ذلك الخوف من الفوضى القانونية، وهاجس اتهامات الإسلاموفوبيا، ونخبة إدارية متأثرة بمثالية تعددية ثقافية ساذجة".
أما النمسا فتبقى الاستثناء الأوروبي الوحيد بحظرها للإخوان عام 2021.
ويقول لومباردي: "النمسا فعلت ذلك بعد هجوم 2020 مباشرة، مستفيدة من الصدمة العاطفية. معظم الدول الأوروبية ترفض ذلك، أسيرة عقيدة: أي حظر أيديولوجي سيكون قمعاً للحريات. في الواقع، هذا رفض لتسمية العدو".
في قلب عمليات الإخوان تكمن استراتيجية "التمكين"، الاختراق المؤسسي التدريجي للمجتمع المدني والأكاديميا والإعلام.
ويشير تقرير معهد دراسة معاداة السامية العالمية إلى أن هذه الاستراتيجية مكّنت منظمات مرتبطة بالإخوان في أمريكا من الحصول على أدوار استشارية فيدرالية وتشكيل النقاش العام بتأطير انتقاد الإسلام السياسي بـ"الإسلاموفوبيا".
وذكر تقرير قدمه النائب السويدي تشارلي فايمرز أن البنية التنظيمية للإخوان في أوروبا "متاهة" تضم مجلس المسلمين الأوروبيين، واتحاد منظمات الشباب والطلاب المسلمين، والمنتدى الأوروبي للمرأة المسلمة.
حول تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بشأن خطر الإخوان وإمكانية وصولهم للأسلحة النووية، يعلق لومباردي بالقول إن التصريحات "مبالغ فيها في الشكل، لكنها تعكس حدساً صحيحاً: أوروبا ترفض التفكير في العواقب النهائية لضعفها الاستراتيجي. الخطر ليس وشيكاً، بل هو بنيوي، ولذلك فهو أكثر خطورة".
وعقب قرار ترامب تصنيف الجماعة منظمة إرهابية في نوفمبر 2025، يستبعد لومباردي أن تحذو أوروبا حذوه، ويقول: "هناك دول تلعب دوراً محورياً كشريك طاقة ومستثمر رئيسي. هذا الاعتماد الاستراتيجي يحيّد أي رغبة أوروبية لحظر شامل لجماعة الإخوان".