عراقجي: الطريق الوحيد لحل مسألة برنامجنا النووي والتأكد من سلميته هو التفاوض والحل الدبلوماسي
لم يعد الخلاف بين أحزاب اليسار الفرنسي مجرد تباين في التكتيك أو اختلاف في تفاصيل البرامج، بل بات طلاقاً واضحا وجليا.
فمنذ الانتصار التاريخي للجبهة الشعبية الجديدة في انتخابات 2024 التشريعية، والشقاق يتسع، يوماً بعد يوم، بين التيارين الرئيسين: "فرنسا الأبية" بزعامة جان-لوك ميلانشون من جهة، والحزب الاشتراكي بقيادة أوليفييه فور من جهة أخرى.
وما بدأ كخلاف حول التصويت على الميزانية، تحوّل، اليوم، إلى حرب شاملة على المدن والبلديات، ومن ورائها حرب أشمل وأعمق على قيادة اليسار في انتخابات الرئاسة المرتقبة عام 2027.
وتعود جذور هذا الصراع إلى العام 2008، عندما أعلن ميلانشون انفصاله عن الحزب الاشتراكي، الذي انتمى إليه 32 عاماً، ليؤسس، لاحقاً، حركة "فرنسا الأبية"، وفقاً لصحيفة "سليت".
وهذا الطلاق القديم، هو الذي يُغذّي حدة الصراع الراهن، فـ"فرنسا الأبية" لا تكتفي بخوض الانتخابات البلدية المرتقبة في آذار/مارس المُقبل، بل تستهدف صراحةً مدنا يديرها الاشتراكيون أنفسهم: باريس ومرسيليا وليون ورين وغيرها.
من جهتها قالت مجلة "بوليتيس"، إن "فرنسا الأبية" تنشر مرشحيها في عشرات المدن التي يهيمن عليها الاشتراكيون، فالنائبة صوفيا شيكرو تتحدى المرشح الاشتراكي إيمانويل غريغوار على عرش باريس، والنائب سيباستيان دولوغو يواجه العمدة بونوا باييان في مرسيليا.
وفي مدن أخرى كمونبلييه وروان ونانت، تتكرر الصورة ذاتها، إذ إن الهدف المُعلن لـ"فرنسا الأبية" ليس مجرد الفوز بالمدن، بل "إسقاط الحزب الاشتراكي" كأول قوة يسارية على المستوى المحلي، وفقًا للمجلة.
في هذا الإطار يعيش حزب "البيئيين" الأخضر أزمة داخلية حادة بسبب هذا الصراع، كما تؤكد صحيفة "ليزيكو"، ففي 30 من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، نشر 500 عضو وناخب ومسؤول منتخب بياناً في موقع "ميديابار".
وأدانوا في البيان توجه قيادتهم بالانحياز للاشتراكيين وإقصاء "فرنسا الأبية"، واصفين هذا التوجه بأنه يجعل الأخضر "عكازاً للاشتراكية الديمقراطية".
كما أعلن عدد منهم الانضمام إلى لوائح "فرنسا الأبية" في باريس ومونبلييه وأفينيون، وهو ما ردّ عليه مكتب الحزب بتوجيه إنذارات بالإقصاء، حيثُ وصفت "ليزيكو" هذا التشقق بأنه "أزمة مفتوحة تهدد إستراتيجية اليسار حتى 2027".
وأضاف حادثة مقتل الناشط القومي كونتان ديرانك في ليون، مؤخراً، بعداً جديداً للأزمة، وبعد اعتقال مساعدَين لنائب "فرنسا الأبية" رافاييل أرنو المرتبط بمجموعة "الحرس الشاب" اليسارية المتشددة، قال الرئيس الاشتراكي السابق فرانسوا أولاند في تصريحات نقلها "فرانس إنفو" إنه "لا يمكن بعد اليوم أي تحالف بين الاشتراكيين وفرنسا الأبية، لا في الدور الثاني من البلديات ولا في الرئاسيات"، مضيفاً أن ميلانشون "لا مكان له في الدور الثاني".
كما نقل موقع "هافينغتون بوست فرنسا"، كيف باتت هذه الأزمة تنعكس على التحالفات في جميع مناطق فرنسا.
وتؤكد صحيفة "ليزيكو" أن جزءاً من اليسار يسعى إلى عقد انتخابات تمهيدية، في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2026، يجمع البيئيين والاشتراكيين وبعض المنشقين عن "فرنسا الأبية"، لتحديد مرشح موحد للرئاسيات؛ لكن غياب الرغبة من قادة التحالفات الكبار — كميلانشون وغلوكسمان — يجعل هذا المسعى منقوصاً.
وفي المقابل، تتمسك "فرنسا الأبية" بإستراتيجية التصعيد، مؤكدةً أن البلديات مجرد تمرين لتثبيت حضورها الشعبي تمهيداً لـ2027.
فاليسار الفرنسي يخوض حرباً وجودية على تعريف نفسه ومستقبله، فبين يسار إصلاحي أوروبي التوجه يمثله الاشتراكيون وغلوكسمان، ويسار شعبي راديكالي تقوده "فرنسا الأبية"، لا يوجد توافق في الأفق.
وقد تُحدد الانتخابات البلدية المُقبلة، بشكل كبير من يصل إلى الإليزيه في شهر نسيان/أبريل 2027، فمن يكسب المدن يكسب الرواية، ومن يكسب الرواية قد يكسب رئاسة فرنسا.