logo
العالم

"رواية النصر".. كيف غيّرت الحرب الأمريكية الإيرانية قواعد الصراعات الحديثة؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامبالمصدر: رويترز

تكشف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران عن تحول جوهري في طبيعة الصراعات الحديثة، يتعلق بـ"رواية النصر"، وفقا لتقرير لمجلة "فورين أفيرز".

ويقول التقرير إن الحسم العسكري لم يعد كافيًا وحده لتحديد المنتصر، بل باتت الرواية السائدة عن "تصورات النصر" العامل الأكثر تأثيرًا في رسم النتائج النهائية. 

أخبار ذات صلة

ملصقات تسلط الضوء على وساطة باكستان في محادثات السلام بين إي

واشنطن بوست: باكستان حذرت ترامب من استخدام "اللغة القوية" علنا

ورغم التوصل إلى هدنة مؤقتة في 8 أبريل/ نيسان، بعد نحو ستة أسابيع من المواجهات المكثفة، لم تُفضِ جولات التفاوض التي تلتها في إسلام آباد إلى اتفاق دائم، في ظل استمرار كل طرف في تبني رواية نصر خاصة به.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد أن بلاده "انتصرت بغض النظر عن النتائج"، بينما أعلنت طهران أنها حققت "هزيمة تاريخية" لواشنطن، في مشهد يعكس صراعًا موازياً على تفسير ما جرى.

وتوضح المجلة أن تقييم نتائج الحروب لم يعد قائمًا على حساب الخسائر والمكاسب الميدانية فقط، بل يتشكل عبر تفاعل معقد بين العوامل النفسية والإعلامية والسياسية؛ فالرواية التي تترسخ لدى الجمهور، محليًا ودوليًا، قد تكون أكثر تأثيرًا من مسار العمليات العسكرية نفسها، بل وقادرة على إعادة تعريف من هو المنتصر.

وفي هذا السياق، تجد الولايات المتحدة نفسها في موقع إشكالي؛ فبالرغم من تحقيق تفوق عسكري واضح، تمثل في تنفيذ آلاف الضربات الجوية الدقيقة واستهداف قيادات عسكرية إيرانية بارزة، إضافة إلى محدودية خسائرها البشرية مقارنة بحروب سابقة، فإن هذه النتائج لا تبدو كافية لإقناع الرأي العام الأمريكي بتحقيق "نصر حقيقي".

سقف مرتفع

وبحسب المجلة، يعود ذلك إلى ما يمكن وصفه بـ"السقف المرتفع" الذي يحدد من خلاله الأمريكيون مفهوم النصر. فالتجربة التاريخية، وخاصة الحرب العالمية الثانية، رسّخت تصورًا مفاده أن الانتصار يعني إسقاط النظام الخصم وإعادة تشكيله سياسيًا.

هذا النموذج يجعل أي نتيجة دون تغيير جذري في بنية السلطة تبدو غير مكتملة. ففي الحالة الإيرانية، لم تتمكن واشنطن من إسقاط النظام أو فرض استسلامه، رغم الضربات التي طالت البنية العسكرية والنووية. 

كما أن استمرار طهران في الاحتفاظ بمخزون نووي وقدرات صاروخية، يعزز الانطباع بأن الحرب لم تحقق أهدافها الاستراتيجية بالكامل.

وتشير المجلة إلى أن هذا النمط تكرر في تجارب سابقة، مثل الحرب الكورية التي انتهت دون حسم واضح، وحرب الخليج 1991 التي لم تُسقط نظام صدام حسين، بل وحتى حرب العراق 2003، حيث لم يضمن تغيير النظام شعورًا دائمًا بالنصر لدى الأمريكيين.

وتعكس استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة هذه الفجوة بوضوح. فبحسب بيانات حديثة، يرى نحو 24% فقط من الأمريكيين أن الحرب كانت تستحق تكلفتها، فيما ينقسم الجمهوريون أنفسهم بشأن تقييمها، مع تأييد محدود نسبيًا داخل القاعدة الحزبية.

كما تصاعدت الانتقادات السياسية، حيث وصفها مسؤولون ديمقراطيون بأنها من أسوأ القرارات العسكرية في تاريخ البلاد، في حين أبدى بعض المحافظين أيضًا تحفظات على إدارتها، ما يعكس تآكل الإجماع الداخلي حول جدوى الحرب.

وترى المجلة أن جزءًا من هذا التراجع يعود إلى الطريقة التي أُدير بها الخطاب السياسي، إذ رفعت الإدارة الأمريكية سقف التوقعات منذ البداية، عبر الحديث عن "استسلام غير مشروط" لإيران، وهو ما جعل النتائج الفعلية تبدو أقل بكثير من الوعود.

إيران.. نصر "البقاء"

في المقابل، تبدو إيران في موقع أفضل لإدارة الرواية. فباعتبارها طرفًا أضعف في الصراع، يمكنها إعادة تعريف النصر على أساس "البقاء".

ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها، بما في ذلك تدمير أجزاء واسعة من قدراتها العسكرية وسقوط آلاف الضحايا، فإن استمرار النظام يمنحها أساسًا قويًا لتسويق الانتصار.

وتستفيد طهران من عاملين رئيسيين: أولًا، قدرتها على التحكم في الخطاب الداخلي، وثانيًا، انخفاض سقف التوقعات مقارنة بالولايات المتحدة. ففي هذا السياق، يصبح مجرد الصمود أمام قوة عسكرية كبرى دليلاً على النجاح. 

أخبار ذات صلة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ترامب يتعهد بإبرام اتفاق مع إيران "يفخر به العالم"

وتشير المجلة إلى أن هذا النمط ليس جديدًا، مستشهدة بتجربة "حزب الله" في حرب 2006، حيث اعتُبر بقاؤه رغم الضربات الإسرائيلية الواسعة بمثابة انتصار، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها.

مضيق هرمز

يلعب مضيق هرمز دورًا محوريًا في ترجيح كفة الرواية الإيرانية. فنجاح طهران في تعطيل حركة الملاحة جزئيًا، واستمرارها في التأثير على تدفقات الطاقة العالمية، أعاد توجيه الانتباه من الضربات العسكرية إلى النتائج الاقتصادية.

كما أن عجز الولايات المتحدة عن إعادة فتح الممر بشكل كامل، رغم تفوقها العسكري، أضعف من صورة الحسم، في حين عزز قدرة إيران على فرض واقع جديد، سواء عبر استمرار صادراتها النفطية أو من خلال فرض رسوم عبور على السفن.

وتوضح المجلة أن هذه "النقطة المحورية" في الصراع أصبحت العامل الأبرز في تشكيل الانطباعات العامة، متجاوزة في تأثيرها حتى حجم العمليات العسكرية.

تداعيات سياسية واستراتيجية

تقول "فورين أفيرز" إن ترسخ صورة "الإخفاق الأمريكي" قد تكون له انعكاسات سياسية داخلية، من بينها إضعاف فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية، وتقويض خطاب الإدارة القائم على تحقيق انتصارات متتالية. 

أخبار ذات صلة

محمد باقر قاليباف وأحمد وحيدي

بين قاليباف ووحيدي.. انقسام إيراني يعرقل الاتفاق مع واشنطن

وعلى الجانب الآخر، قد يؤدي شعور إيران بالنصر إلى تعزيز تماسك النظام، وربما يدفعه نحو سياسات أكثر تشددًا، بما في ذلك تسريع برنامجه النووي، خاصة إذا خلصت طهران إلى أن الصمود العسكري يحقق نتائج أفضل من الانخراط الدبلوماسي.

وتطرح المجلة احتمال نشوء ما يشبه "متلازمة حرب إيران"، على غرار "متلازمة فيتنام"، حيث تؤدي تجربة الحرب إلى تراجع استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية مستقبلًا، نتيجة إدراكها كصراع مكلف دون نتائج حاسمة.

وفي هذا السيناريو، قد تتأثر قدرة واشنطن على الردع، خاصة في حال سعت إيران إلى تطوير سلاح نووي، إذ قد تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطًا داخلية تحدّ من خياراتها.

الرواية لا الميدان

تخلص "فورين أفيرز" إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم تُحسم بعد، ليس فقط على مستوى الميدان، بل على مستوى الرواية أيضًا. 

وبينما حققت واشنطن تفوقًا عسكريًا واضحًا، نجحت طهران في توظيف الصمود لإعادة صياغة النتيجة.

وفي عالم تتزايد فيه أهمية الإدراك العام، يبدو أن المنتصر الحقيقي لن يُحدد فقط بما جرى على الأرض، بل بكيفية تذكّر هذه الحرب، ومن ينجح في فرض روايته كحقيقة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC