ألقت سلسلة تطورات وأحداث داخلية في تركيا وخارجية بظلالها على عملية السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، لتشكل تحديات تواجه المفاوضات المستمرة منذ أكثر من عام؛ من أجل إنهاء صراع مسلح عمره قرابة نصف قرن.
وتوقف حزب العمال الكردستاني عن إعلان خطوات انسحاب جديدة من معاقله، فيما شهدت مدينة حلب اشتباكات مسلحة بين قوات حكومية سورية ومقاتلين تابعين لوحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وتطالب بحلها لمواصلة عملية السلام.
وعلى الجانب الآخر، لم يصدر حتى الآن إطار قانوني من أنقرة يحدد مصير قادة ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، ومَن مِنهم يستطيع العودة إلى تركيا والانخراط في الحياة السياسية فيها، بينما يقابل طلب الإفراج عن زعيمين كرديين بارزين برفض تركي حتى الآن.
وانعكست تلك التطورات في خطابات الأحزاب التركية الرئيسية المنخرطة في العملية، بما فيها حزب "الديمقراطية والمساواة للشعوب" الذي يحتل المرتبة الثالثة في البرلمان من حيث عدد النواب، ويعد ممثلاً لكثير من أكراد تركيا، ويلعب دور الوسيط بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني.
وانتقد الرئيسان المشتركان للحزب، "تونجر باكيرهان"، و"تولاي حاتم أوغوللاري"، موقف أنقرة الرسمي من أحداث حلب، وقالا في مؤتمر صحفي عقداه بمقر الحزب في أنقرة، أمس الأحد، إنه يهدد بنسف عملية السلام في تركيا.
واعتبر باكيرهان وشريكته في رئاسة الحزب أن موقف بلادهما الداعم للحكومة السورية ضد الوحدات الكردية التي تشكل عماد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المسيطرة على شمال شرق سوريا، يشكل آلية انقلاب على عملية السلام في تركيا.
وطالب باكيرهان أنقرة بدعوة قادة "قسد" إلى تركيا، والجلوس إلى طاولة المفاوضات، وتجنب قمع "إرادة السلام المنبثقة من إيمرالي في الساحة السورية"، في إشارة لدعوة الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، في فبراير/شباط الماضي، من سجنه في جزيرة "إيمرالي"، قرب إسطنبول، حزبه لحل نفسه وإلقاء السلاح والانخراط في عملية السلام.
لكن الخلاف على تفسير تلك الدعوة لا يزال يؤثر في المضي قدماً في عملية السلام، إذ تطالب أنقرة أن تشمل دعوة أوجلان "قسد" قبل الانتقال لمرحلة أخرى من العملية، والتي تتضمن وضع إطار قانوني يحدد مصير قادة ومقاتلي الحزب، بجانب تشريعات تلبي تطلعات أكراد تركيا في المواطنة المتساوية.
وكان من المتوقع أن ينتهي إعداد ذلك الإطار القانوني منذ الشهر الماضي، بعد شهور من النقاشات، لكن اللجنة البرلمانية المسؤولة عن إعداد ذلك الإطار مددت عملها شهرين إضافيين بدءاً من مطلع العام الحالي.
وإلى جانب تأخر صدور التقرير، تثار قضية أن يلبي الإطار والمقترحات التي يتضمنها تطلعات أكراد تركيا حول الاعتراف الدستوري بهم، واستخدام لغتهم الأم في التعليم من جهة، ويرضي حزب العمال الكردستاني كي يواصل خطوات الحل وإلقاء السلاح، من جهة ثانية.
وقدم نائب رئيس حزب الحركة القومية، المتحالف مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، فتي يلدز، تقييماً إيجابياً للإطار الذي قال إن عناوينه الرئيسية تمت صياغتها تمهيداً لإكماله خلال الأسبوع الجاري، مضيفاً في تصريحات صحفية: "لا يوجد شيء لا يمكن الاتفاق حوله".
لكن المتحدثة باسم حزب "الديمقراطية والمساواة للشعوب"، عائشة غول دوغان، قالت في تصريحات صحفية أيضاً، إن العملية لا تسير بالوتيرة المطلوبة، ولا تُترجم الأقوال إلى أفعال، فيما يتعلق بالديمقراطية والمساواة التي تشكل جوهر وعنوان عملية السلام.
وانتقدت دوغان استخدام خطاب سياسي حاد من قبل الأحزاب التركية خلال الأيام الماضية، قائلة: إن تركيا بحاجة لخطاب بنّاء جديد يتفق مع السلام. وأضافت: "لنتحدث عن البناء. الحوار هو السبيل الذي يجب اختياره وليس القوة".
وفي المقابل، لم يبادر حزب العمال الكردستاني منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بأي خطوات انسحاب مثل تلك التي أعلن عنها في شهور يوليو/تموز، وأكتوبر/تشرين الأول ومنتصف نوفمبر/تشرين الثاني، الماضية، وجميعها خطوات إلقاء سلاح وانسحاب من داخل الأراضي التركية ومنطقة حدودية.
وطالب قادة من الحزب بمنح زعيمه أوجلان دوراً أكبر في عملية السلام ولقاء أطرافها، وهو المطلب الذي يدعمه حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب أيضاً وترفضه أنقرة التي لا تزال تصنف الحزب وأوجلان ضمن خانة "الإرهاب".
كما شكل حكم قضائي تضمن عقوبة سجن إضافية على صلاح الدين ديميرتاش، الأسبوع الماضي، بتهمة إهانة الرئيس، عقبة جديدة في عملية السلام، بعد أن صعَّب الحكم من إمكانية الإفراج عن السياسي الكردي البارز المسجون منذ 2016 بتهمة ترتبط بالعلاقة مع حزب العمال الكردستاني، بينما يحظى بشعبية كبيرة لدى أكراد تركيا الذين يقولون إن إطلاق سراحه يشكل دفعة قوية ويعزز الثقة في السلام.