logo
العالم

ابتعاد أوتاوا عن واشنطن.. ثورة داخلية على طاولة الحكومة الفيدرالية

كندا تضع الأساس للتحول بعيدًا عن الولايات المتحدةالمصدر: مجلس العلاقات الخارجية

لم تعد أزمة كندا مع الولايات المتحدة مجرد  خلاف تجاري عابر، بل تحولت إلى محفز سياسي دفع أوتاوا إلى إعادة تعريف علاقتها بجارتها الجنوبية، وصياغة مشروع داخلي يعيد الاعتبار للهوية الوطنية والسيادة الاقتصادية.

فعندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مارس 2025 فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات السيارات، بما في ذلك المنتجات الكندية، بدا وكأن أُسُس الشراكة التاريخية بين البلدين قد انهارت، وفي اليوم التالي، خرج رئيس الوزراء الجديد مارك كارني ليعلن أمام الملايين من الكنديين أن "العصر القديم قد انتهى"، مؤكدًا أن البلاد ستتجه إلى مسار جديد يقوم على تعزيز السوق الوطنية أولاً.

أخبار ذات علاقة

غواصة KSS-III

أسرار صفقة القرن البحرية.. كيف تسعى كندا لتأمين سيادتها في المحيطات؟

وكشف "مجلس العلاقات الخارجية"، أن هذه الصدمة السياسية سرعان ما تحوَّلت إلى خطة متكاملة تقوم على ثلاثة محاور: إزالة العوائق أمام التجارة الداخلية بين المقاطعات، استثمار واسع في البنية التحتية الوطنية، وسياسة "اشترِ الكندي" التي تفرض على الحكومة تفضيل الشركات المحلية في كل المشاريع الممولة من الخزانة العامة.

وبحسب مصادر، فإنه، وفي خطوة غير مسبوقة، بدأت مقاطعات كبرى مثل أونتاريو بتسهيل حركة المهنيين المرخصين بين الأقاليم، بينما تمضي الحكومة في مشاريع بنى تحتية كبرى تمتد من الموانئ إلى الطرق السريعة؛ لربط الشرق بالغرب، وتخفيف اعتماد الاقتصاد على المحاور التجارية مع الولايات المتحدة.

إلى جانب ذلك، تحولت الأزمة إلى نقطة انعطافٍ في صياغة الهوية الوطنية نفسها؛ فقد تزايدت الدعوات لإعادة تصور كندا كقوة مستقلة، لا باعتبارها ملحقًا للاقتصاد الأمريكي، وبرزت لأول مرة ملامح خطاب سياسي رسمي يضع "الوحدة الداخلية" فوق "الاندماج عبر الحدود".

أخبار ذات علاقة

علما الصين وكندا

"لعبة خطرة".. الصين تسعى لـ"سرقة" كندا من أمريكا

لكن خبراء يعتقدون أن التحديات ليست بسيطة؛ فالاقتصاد الكندي انكمش بنسبة 1.6% في الربع الثاني من 2025، فيما ارتفعت البطالة فوق 7%؛ ما يجعل هذه الثورة الداخلية محفوفة بالمخاطر. ومع ذلك، لا يبدو أن الحكومة الفيدرالية مستعدة للتراجع، معتبرةً أن الاستقلال الاقتصادي على المدى الطويل أهم من المكاسب السريعة.

وفي السياق، تلوح أمام كندا قرارات أكثر صعوبة؛ إذ إن التزاماتها ضمن اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا "USMCA" دفعتها إلى مواءمة سياساتها تجاه الصين مع النهج الأمريكي، بما في ذلك فرض رسوم بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، لكن بكين ردّت بعقوبات قاسية استهدفت الكانولا الكندية، أحد أهم صادرات البلاد الزراعية، وبات على أوتاوا أن تحسم قريبًا ما إذا كانت ستواصل السير على خط التشدد الأمريكي، أم ستتجه لتخفيف موقفها بحثًا عن فرص جديدة في الفراغ الذي يخلّفه انسحاب واشنطن.

 

 

لكن مقاربة كارني المتوازنة قد تصطدم بموجة قوية من المشاعر المناهضة لأمريكا داخل كندا؛ فالكنديون، كما يبدو، تقبّلوا انتخاب الأمريكيين لدونالد ترامب مرة أولى، لكنهم غير مستعدين لغفرانها ثانية، وقد انعكس ذلك في تراجع ملحوظ في حركة السفر إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى حملات مقاطعة متنامية للمنتجات الأمريكية.

وهكذا، وبينما ينشغل العالم بمتابعة الصدامات التجارية والدبلوماسية بين أوتاوا وواشنطن، تتشكل داخل كندا معالم تحول أعمق: ثورة هادئة تُعيد رسم دور الدولة، وتعيد للمجتمع شعوره بالسيادة على قراره الاقتصادي والاجتماعي، بعيدًا عن ظلّ الجار الأمريكي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC