رأى خبراء أن روسيا تسعى إلى إعادة ضبط قواعد التفاوض قبل أي جولة جديدة، عبر التلويح بخيارات "صارمة" دون إغلاق باب الحوار، في محاولة لفرض معادلة تفاوضية جديدة تقوم على الاعتراف بمصالح موسكو الأمنية والجيوسياسية.
وفي مؤشر جديد على تشدد الموقف الروسي حيال مسار التسوية الأوكرانية، لوحت موسكو بإمكانية الدخول في "مساومات صارمة" مع الولايات المتحدة، لكن على قاعدة المساواة وعدم تقديم تنازلات مجانية، في ظل تعقيدات دولية وإقليمية متزايدة.
وجاءت هذه الرسائل على لسان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريباكوف، وذلك خلال مشاركته في المنتدى العلمي الدولي "قراءات جيرينوفسكي"، وهو منتدى يحمل اسم الزعيم الروسي الراحل فلاديمير جيرينوفسكي، أحد أبرز دعاة الردع العنيف في مواجهة الغرب.
وأكد ريباكوف عزم موسكو مواصلة الحوار مع الولايات المتحدة على أساس الندية الكاملة، مضيفًا أن روسيا مستعدة، إذا اقتضى الأمر، لخوض مساومات صارمة لحماية مصالحها الاستراتيجية وضمان عدم تجاوز الخطوط التي تعتبرها جوهرية في أي تسوية محتملة.
وبينما تؤكد موسكو استعدادها لمواصلة المسار الدبلوماسي، فإنها تحرص في الوقت ذاته على إيصال رسالة واضحة مفادها أن التسوية، إن تمت، فلن تكون بشروط غربية خالصة، بل وفق توازنات دولية جديدة تسعى روسيا إلى ترسيخها في مرحلة ما بعد الحرب.
ورأى مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث والدراسات في روسيا الدكتور آصف ملحم، أن أهمية تصريحات ريباكوف لا تنفصل عن المكان الذي أُطلقت فيه".
وأشار، لـ"إرم نيوز"، إلى أن جيرينوفسكي كان من أكثر الشخصيات الروسية تشددًا تجاه الغرب، وارتبط اسمه بالدعوة إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، والتركيز على ملفات أوكرانيا وأوروبا والشرق الأوسط، وهو ما يمنح تصريحات ريباكوف دلالات سياسية تتجاوز بعدها التكتيكي.
وبيّن الدكتور ملحم أن المسار الاستراتيجي الروسي بات واضحًا وغير قابل للتراجع، إذ اتخذت موسكو قرارها النهائي بالسير نحو عالم متعدد الأقطاب.
واعتبر أن استخدام مصطلح "المساومات الصارمة" يأتي في إطار توجيه رسائل حازمة إلى الولايات المتحدة مفادها أن تجاهل المطالب الروسية قد يدفع إلى خطوات تصعيدية يصعب احتواؤها.
وأضاف أن استخدام القوة في العلاقات الدولية لا ينبغي فهمه من منظور إنساني أو عاطفي بحت، موضحًا أن الهدف منها هو تحقيق مكاسب سياسية محددة، لا مجرد إيقاع الخسائر.
واستبعد الدكتور ملحم سيناريو توجيه ضربة نووية مباشرة إلى مدينة أوكرانية لما يحمله من تداعيات كارثية على موسكو، مرجحًا في حال حدث تصعيد، سيناريو ضربة تحذيرية في منطقة غير مأهولة، كالبحر الأسود، كرسالة ردع موجهة إلى واشنطن وأوروبا.
وأكد الدكتور ملحم أن موسكو، وفق اعترافات أمريكية، قدّمت خلال العام الماضي تنازلات ومحاولات لتقريب وجهات النظر، متسائلًا عن أسباب استمرار التصعيد في التصنيف والمواقف العدائية.
وبيّن الخبير أن مصطلح "المساومات الصارمة" يعكس استعدادًا روسيًّا للانتقال إلى خيارات ميدانية أو ردعية إذا استمر الجمود السياسي.
وشدد على أن روسيا لا تطلق تهديدات انفعالية، بل تعتمد رسائل مباشرة أو غير معلنة، محذرًا من أن أي رد محتمل سيكون محسوباً، وقد يأتي في صورة ضربة عسكرية محددة تخدم هدفاً سياسياً واضحاً، خاصة في ظل تشابك المصالح الروسية مع الأمريكية في ساحات متعددة تمتد من آسيا والمحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
من جانبه، أكد الأكاديمي والدبلوماسي المتخصص في شؤون أوروبا الشرقية، الدكتور ياسين رواشدي، أن التصعيد العسكري الروسي المكثف خلال الفترة الأخيرة أضعف بشكل واضح فرص التوصل إلى سلام حقيقي بين موسكو وكييف، وأسهم في تراجع الزخم الدبلوماسي الذي كان قائمًا خلال الأشهر الماضية.
وبيّن، لـ"إرم نيوز"، أن تكثيف العمليات العسكرية الروسية دفع أطرافًا دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى إعادة تقييم مستوى انخراطها في الملف الأوكراني، في ظل قناعة متنامية بأن هذا التصعيد لا يفتح أفقًا لتفاهمات سياسية بقدر ما يعمق منطق القوة ويعقّد فرص التفاوض.
وأشار الدكتور رواشدي إلى أن استمرار الضربات الروسية، لا سيما تلك التي استهدفت البنية التحتية الأوكرانية، عزز الانطباع داخل واشنطن بأن موسكو لا تُبدي الجدية الكافية في الاتجاه نحو تسوية سياسية، وهو ما انعكس في تراجع الحراك الدبلوماسي المرتبط بالأزمة.
ولفت إلى أن العواصم الأوروبية كثفت ضغوطها من أجل أن تكون طرفًا أساسيًّا في أي مفاوضات محتملة، معتبرة أن بعض المطالب الروسية المطروحة حاليًّا لا تُقدَّم باعتبارها تسوية متوازنة، بل تُفهم في كثير من الأحيان على أنها شروط قاسية تُصعّب الوصول إلى اتفاق.
وأكد الدكتور رواشدي أن فرص السلام باتت اليوم أبعد مما كانت عليه قبل أسابيع، موضحًا أن استعادة المسار التفاوضي تتطلب خفضا واضحا لمستوى التصعيد العسكري، خاصة التوقف عن استهداف منشآت حيوية تمس الحياة اليومية للمدنيين، مثل قطاعات الطاقة والكهرباء والتموين، التي أدت ضرباتها، خاصة في فصل الشتاء، إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية دون تحقيق حسم عسكري فعلي.
ورجح أن تكون موسكو تسعى من خلال هذا التصعيد إلى تحقيق مكاسب ميدانية وسياسية لتحسين موقعها التفاوضي لاحقًا، إلا أنه شدد على أن هذا النهج يؤدي عمليًّا إلى إبعاد الحل السياسي بدلًا من تقريبه، ويعيد الأزمة إلى مربع الصراع العسكري المفتوح.
ولفت الدكتور رواشدي إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية تمر بمرحلة انكفاء دبلوماسي وعودة واضحة إلى منطق العمليات العسكرية، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى جولة جديدة من التصعيد، ما لم تحدث تغييرات جوهرية في سلوك الأطراف المعنية.