logo
العالم

هدنة مؤقتة أم "فخ تكتيكي"؟.. روسيا تختبر صبر أوكرانيا والغرب وسط محادثات "بناءة"

جنود من الجيش الأوكرانيالمصدر: (أ ب)

منذ مطلع العام الجاري، شهدت الحرب الروسية الأوكرانية سلسلة من الخطوات التي أُعلن عنها بوصفها محاولات لخفض التصعيد وفتح قنوات تفاوضية، بدءًا من جولة مباحثات ثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، وُصفت بأنها "بناءة" ومركزة على خفض التوتر والقضايا السياسية.

وشهدت نهاية كانون الثاني/ يناير وقفًا مؤقتًا للضربات الروسية على كييف حتى 1 شباط/ فبراير بطلب أمريكي، وهو ما عُرف كـ"هدنة مؤقتة" في ظل شتاء قارس دون تبادل لإطلاق النار الكامل.

أخبار ذات علاقة

مارك روته

"الناتو": روسيا تتكبد "خسائر فادحة" في أوكرانيا

هجمات على مواقع أوكرانية

ومع ذلك، استمرت الهجمات الروسية على مواقع أوكرانية، بما في ذلك منشآت حيوية للطاقة بعد ما كان يُعد تهدئة في الاستهداف، ما دفع كييف إلى وصف هذه الوقفات بأنها استراحة تكتيكية لا غير، واتّهام موسكو باستغلالها لإعادة التموضع وتجهيز هجماتها.

وعبر الجانب الروسي عن استعداده للمفاوضات، إلا أنه أضاف شروطًا جوهرية تتعلق بالاعتراف الدولي بسيطرته على أجزاء واسعة من الأراضي، وهو ما يؤجج نقطة الخلاف الأساسية حول مستقبل الأراضي المتنازع عليها.

وهذه الوقائع المتزامنة جعلت مسألة خفض التصعيد تبدو في كثير من المواقف كـاختبار نوايا ومرونة أكثر منها كمسار سلام حقيقي، وساهمت في ظهور تساؤلات حول ما إذا كانت موسكو تختبر مرونة أوكرانيا أو صبر الغرب قبل المضي نحو تسوية سلمية فعلية.

ويرى الخبراء أن خفض التصعيد الجاري يعكس محاولة روسية لاختبار نوايا أوكرانيا وصبر الغرب، في ظل استمرار العمليات العسكرية على الأرض.

وأضافوا أن موسكو توظف فترات الهدوء وملفات إنسانية مثل تبادل الأسرى كأدوات تكتيكية لتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية، دون إبداء استعداد حقيقي لتقديم تنازلات، لا سيما في ملف الأراضي. 

خطاب روسي منفتح

وأشاروا إلى أن الخطاب الروسي المنفتح على الحوار لا يتطابق مع الواقع الميداني، ما يجعل خفض التصعيد الحالي مؤقتًا ومشروطًا، ويحوله من مدخل للتسوية إلى وسيلة لإدارة الصراع وإعادة ترتيب موازين الضغط بين الأطراف.

وقال إيفان يواس، مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، إن التعامل مع الطرح الروسي الحالي بشأن خفض التصعيد يتطلب قدرا عاليا من الحذر، مؤكدًا أن موسكو لا تتحرك بدافع البحث عن سلام حقيقي، بل وفق حسابات استراتيجية دقيقة تمليها ضغوط داخلية وخارجية متزايدة.

وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، أضاف يواس أن العقوبات الغربية المتراكمة تركت آثارا ملموسة على الاقتصاد الروسي، ليس فقط على مستوى المؤشرات المالية، بل أيضًا في المزاج العام والخطاب السياسي والإعلامي داخل البلاد.

وأشار مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، إلى أن متابعة الإعلام الروسي الرسمي تكشف عن خطاب منظم يروج لفكرة تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة، مصحوبا برسائل ضمنية تدعو واشنطن إلى تقليص دعمها العسكري والسياسي لأوكرانيا، مع تصوير أوروبا باعتبارها الطرف الأكثر تشددًا في استمرار الصراع.

أخبار ذات علاقة

زيلينسكي متحدثاً في مؤتمر ميونيخ للأمن

زيلينسكي: الضربات الروسية لم توفر "محطة طاقة واحدة" في أوكرانيا

إطار تكتيكي مؤقت

وأكد يواس أن موسكو تحاول تقديم إشارات محسوبة توحي بالاستعداد لخفض التوتر، إلا أن هذه الإشارات تظل في إطار تكتيكي مؤقت يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وليس تمهيدًا لمسار سلام شامل.

وضرب مثالًا بملف تبادل الأسرى، الذي يحظى بأولوية إنسانية قصوى لدى كييف، موضحًا أن روسيا توظف هذا الملف لإظهار وجود قنوات تواصل وتخفيف حدة الضغوط، دون أن يعني ذلك تغييرا جوهريا في أهدافها.

وكشف يواس أن خفض التصعيد، بصيغته الحالية، يمثل "اختبار نوايا" أكثر منه مسار سلام، داعيًا إلى الفصل بين الخطاب الإعلامي الروسي والتحركات الاستراتيجية الفعلية على الأرض.

من جانبه، أشار رامي القليوبي، الأستاذ بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، إلى أن توصيف التطورات الأخيرة باعتبارها خفضا حقيقيا للتصعيد لا يعكس الواقع الميداني بدقة.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

بسبب "بطنه".. زيلينسكي يسخر من أوربان في مؤتمر ميونيخ (فيديو)

هدوء حذر ومؤقت

وقال القليوبي لـ"إرم نيوز"، إن العمليات العسكرية لم تتوقف، إذ شهدت الأسابيع الماضية قصفا روسيا استهدف مناطق أوكرانية متعددة، بما في ذلك منشآت حيوية للطاقة، في مقابل تنفيذ أوكرانيا عمليات نوعية طالت شخصيات عسكرية روسية رفيعة المستوى، معتبرا أن ما يُوصف أحيانًا بالهدوء لا يتجاوز كونه هدوءا حذرا ومؤقتا، لا يمكن البناء عليه كمدخل لمسار سلام فعلي.

وأضاف القليوبي، أن الحديث المتكرر عن اقتراب التسوية عاد للواجهة منذ تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة في يناير 2025، إلا أن هذه التوقعات، لم تُترجم إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وأوضح الأستاذ بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، أن جوهر الأزمة لا يرتبط بعوامل ظرفية، بل بقضايا بنيوية معقدة، على رأسها ملف الأراضي، ولا سيما المناطق الواقعة شمال مقاطعة دونيتسك، التي أدرجتها موسكو ضمن أراضيها وفق الدستور الروسي.

وأكد أن هذا البعد الدستوري يمنح القضية حساسية سياسية داخلية بالغة، تجعل أي تراجع عنها بالغ الصعوبة بالنسبة للقيادة الروسية.

وأشار القليوبي إلى أن روسيا، رغم هذا الموقف القانوني، لم تنجح في حسم المعركة عسكريًا في بعض هذه المناطق، ما يخلق حالة من الجمود الميداني.

وقال إن خفض التصعيد الحالي لا يعكس تحولا نحو السلام بل يمثل مرحلة اختبار متبادل للإرادات والقدرات، في صراع لم تتوافر بعد شروط تسويته النهائية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC