رأت صحيفة "التلغراف" البريطانية، أن النظام الإيراني اختار معتقلين اثنين من الطائفة البهائية، ليكونا "كبش فداء" للاحتجاجات الواسعة، التي شهدتها البلاد مؤخرًا.
وفي حين تتهم السلطات في طهران، أنها يقفان خلف تلك الاحتجاجات، تؤكد عائلاتهما أن اعترافاتهما، التي جرى بثها انتُزعت تحت الضغط، وسط مخاوف متزايدة من إصدار أحكام بالإعدام بحقهم، وفقًا للصحفة.
وأظهر التقرير أن السلطات الإيرانية كثفت حملات الاعتقال في أعقاب موجة الاحتجاجات، مستهدفة أفراداً تقول عائلاتهم إنهم لم يشاركوا في أي نشاط سياسي، بل جرى تقديمهم للرأي العام بوصفهم مسؤولين عن الاضطرابات.
واتهمت السلطات الإيرانية الشابة فينوس حسين-نجاد، والشاب بيفند نعيمي بتنظيم الاحتجاجات، بعد أن اقتادتهما قوات أمن بملابس مدنية من أماكن عملهما واحتجزتهما في مواقع لم تُكشف عناوينها.
وظلت العائلتان لأيام طويلة بلا أي معلومات عن مصيرهما، قبل أن تسمح السلطات باتصالات هاتفية قصيرة جداً لم تتجاوز دقائق معدودة، اقتصرت على طمأنة مقتضبة بأنهما ما زالا على قيد الحياة، دون أن يُسمح لهما بالحديث عن ظروف الاحتجاز أو التحقيق.
وظهرت وجوه المعتقلين، لاحقاً، على شاشة التلفزيون الرسمي في برنامج سياسي مسائي، حيث عُرضت اعترافات مصوّرة نسبت إليهما مسؤولية تنظيم الاحتجاجات، والتعاون مع جهات خارجية.
لكن عائلتيهما أكدتا أن الكلمات التي قيلت كانت مكتوبة مسبقاً، وأن الضغوط النفسية والجسدية دفعت المعتقلين إلى تنفيذ ما طُلب منهما، معتبرتين أن بث هذه المقاطع يهدف إلى تبرير حملات القمع وترسيخ رواية رسمية تُحمّل الأقليات الدينية مسؤولية الأزمات الداخلية.
وقالت ممثلة الجامعة البهائية الدولية لدى الأمم المتحدة في جنيف، إن السلطات الإيرانية دأبت، خلال فترات الأزمات السياسية والاجتماعية، على تحميل البهائيين المسؤولية، مؤكدة أن هذا النهج ليس جديداً بل يتكرر منذ عقود.
وأوضحت أن الاعترافات القسرية تمثل خطوة تصعيدية خطيرة، لأنها تُستخدم، غالباً، تمهيداً لإصدار أحكام قاسية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من مصير المعتقلين الذين يُتهمون بجرائم لا دليل عليها، وفق ما تؤكده العائلات.
واجهت الطائفة البهائية في إيران سنوات طويلة من القيود والتمييز، إذ تحظر السلطات على أتباعها الالتحاق بالجامعات والعمل في العديد من الوظائف الرسمية، كما تتعرض مؤسساتهم الدينية للمصادرة ويُعتقل أفراد منهم بصورة متكررة.
وترى منظمات حقوقية أن هذا السياق يفسر سهولة توجيه الاتهامات إليهم في أوقات التوتر، باعتبارهم أقلية غير معترف بها رسمياً في الدستور الإيراني، رغم الاعتراف بأديان أخرى مثل المسيحية، واليهودية، والزرادشتية.
وسلبت السلطات فينوس حسين-نجاد حقها في التعليم الجامعي بسبب معتقدها الديني، لكنها واصلت بناء حياتها المهنية من خلال التدريب الخاص والعمل المستقل.
وعملت في مجال المحاسبة، وكرست وقت فراغها للرسم، وكانت على وشك استكمال شهادة مدربة سباحة، وعاشت لسنوات مع اضطراب ثنائي القطب، وحافظت على استقرار حالتها بفضل العلاج الدوائي والمتابعة النفسية المنتظمة، إلا أن عائلتها تخشى أنها حُرمت من تلك الأدوية خلال احتجازها، ما قد يفاقم وضعها الصحي.

وذكرت إحدى قريبتها أن فينوس لم تشارك في أي احتجاجات، ولم تنخرط في العمل السياسي، لكن التحقيقات، بحسب قولها، ضغطت عليها للاعتراف بدور قيادي لا علاقة لها به، مؤكدة أن ما ظهر في التلفزيون لا يعكس شخصيتها أو حياتها، بل يعكس الظروف القاسية التي وُضعت فيها.
وأشارت العائلة إلى أن ابنتهم أخبرتهم، خلال اتصال هاتفي قصير، بأنها تعرضت لضغوط نفسية وجسدية شديدة دفعتها إلى الموافقة على تسجيل الاعتراف المصور.
أما بيفند نعيمي، فقد اعتُقل في مدينة كرمان قبل ساعات من بدء الاحتجاجات التي اتُّهم، لاحقاً، بتنظيمها، حيثُ دخل عناصر أمن بملابس مدنية إلى مكان عمله من دون إبراز مذكرة توقيف، وصادروا هاتفه بالقوة، ثم نقلوه إلى جهة مجهولة.
وبعد أيام من الصمت، أُتيح له اتصال هاتفي لم يستطع خلاله الإجابة عن أسئلة أسرته، قبل أن تعلم، لاحقاً، أنه محتجز في مركز تابع لاستخبارات الحرس الثوري الإيراني.
وعانى نعيمي، مثل كثير من أبناء الطائفة البهائية، من التمييز منذ سنوات الدراسة، إذ كان سباحاً موهوباً واستعد، مراراً، للمشاركة في مسابقات رياضية وطنية ودولية، لكن اسمه كان يُستبعد في اللحظات الأخيرة بسبب انتمائه الديني.

وعمل، لاحقاً، مدرباً للكلاب، ونجح في تأسيس مشروع خاص، قبل أن تُغلقه السلطات، ما دفعه إلى تغيير مساره المهني والعمل في مهن أخرى، ورغم ما واجهه، تقول عائلته إنه ظل مرتبطاً ببلاده ولم يسعَ إلى مغادرتها.
ونقل شقيقه أن بيفند بدا منهكاً خلال إحدى المكالمات الهاتفية، وقال إنه مستعد للتعاون مع المحققين وقول كل ما يُطلب منه، حتى لو أدى ذلك إلى إعدامه، وهو ما فسّرته العائلة بأنه مؤشر على حجم الضغوط التي تعرض لها.
وفي اتصال لاحق، سأل بقلق عن صديق له، وأبدى ارتياحاً واضحاً عندما علم أنه لم يُعتقل، في مشهد يعكس حجم الخوف الذي يعيشه المعتقلون داخل مراكز الاحتجاز.
وتقول منظمات حقوقية إن الاحتجاجات الأخيرة أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا واعتقال عشرات الآلاف، بينما يسود الشارع الإيراني شعور عميق بالحزن والغضب.
وترى عائلات المعتقلين أن السلطات تحاول تقديم رواية رسمية تربط الاحتجاجات بمخططات خارجية أو جماعات محددة، في محاولة لنزع الطابع الشعبي عن الحركة الاحتجاجية.
ويشير المراقبون إلى أن لجوء السلطات إلى بث اعترافات متلفزة ليس جديداً، إذ استخدم هذا الأسلوب، سابقاً، مع معارضين ونشطاء، وغالباً ما ترافقه اتهامات بالتعذيب والإكراه.
وتخشى عائلات المعتقلين أن تتحول هذه الاعترافات إلى أساس قانوني لإصدار أحكام قاسية، في ظل محدودية فرص الدفاع العادل وغياب الشفافية عن مسار التحقيقات.
وتواصل عائلتا حسين-نجاد ونعيمي إطلاق النداءات من أجل إنقاذ أبنائهما، مؤكدتين أن حياتهما في خطر حقيقي، خاصة مع استمرار الحبس الانفرادي وغياب المعلومات الدقيقة عن وضعهما الصحي والنفسي.
وبينما تتزايد المخاوف من تنفيذ أحكام نهائية، يبقى مصيرهما معلقاً في ظل أجواء سياسية متوترة، وواقع حقوقي يقول ناشطون إنه يزداد صعوبة يوماً بعد يوم.