كشف استطلاع جديد مدى تراجع الثقة الأوروبية بالولايات المتحدة؛ إذ إن 84% من الأوروبيين لم يعودوا يرون أمريكا كحليف موثوق، في مؤشر يعكس بوضوح انهيار الصورة التقليدية للولايات المتحدة كضامن للأمن الغربي.
وبحسب "وول ستريت جورنال "، فإن الأزمة الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأوروبا حول جزيرة غرينلاند لم تكن مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل تمثل لحظة تاريخية تعكس هشاشة التحالف الأطلسي وتضع القارة الأوروبية أمام واقع جديد: شريكها التقليدي، الذي كان يُنظر إليه لعقود على أنه الضامن الرئيس لأمنها، أصبح، اليوم، مصدرًا للضغط والابتزاز السياسي.
وحذّر خبراء أوروبيون من أن سلوك الإدارة الأمريكية، من خلال تهديدات العقوبات التجارية إلى استعراض القوة العسكرية المباشر ضد حليف تاريخي، يعيد تعريف العلاقة من شراكة إستراتيجية قائمة على القيم المشتركة إلى علاقة "انتقالية" قائمة على المصالح القسرية والابتزاز.
كما أن الأوروبيين، الذين اعتادوا على تبادل أدوار متوازنة داخل حلف الناتو، يجدون، اليوم، أن خطاب ترامب وتهديداته غير المسبوقة تفتح بابًا لتفكك تدريجي للنظام الأطلسي الذي حكم الغرب منذ الحرب العالمية الثانية، وقد يغير جذريًا قواعد الأمن الجماعي والسياسات الدفاعية في القارة.
الأرقام تتحدث عن نفسها؛ إذ ما زال نحو 16% فقط من الأوروبيين يعتبرون الولايات المتحدة حليفًا يشاركهم القيم نفسها، مقارنة بـ21% في 2024، بينما في المملكة المتحدة، أحد أقرب حلفاء واشنطن تاريخيًا، انخفضت الثقة إلى 25% مقابل 37% قبل عام، وهذا الانخفاض الحاد يعكس شعورًا متزايدًا بالإذلال والسيطرة الخارجية، ويضع الحكومات الأوروبية أمام ضغط شعبي متزايد للمواجهة أو على الأقل إعادة تقييم الاعتماد على واشنطن في القضايا الأمنية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، تعاني أوروبا من ضغوط متشابكة، وسط تقدم اقتصادي صيني، التي توسع نفوذها الصناعي والسياسي في القارة، بينما تستفيد روسيا من انقسامات الغرب لتعزيز نفوذها في شرق أوروبا وتهديد الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، لا تبرز أزمة غرينلاند كحادث فردي فحسب، بل كرمز للتحديات الكبرى التي تواجه أوروبا في عالم متعدد الأقطاب؛ إذ لا يمكن الاعتماد على الحليف التقليدي وحده، ويصبح البناء الذاتي للقدرة الدفاعية والسياسية ضرورة إستراتيجية لا تحتمل التأجيل.
ويرى مراقبون أن القادة الأوروبيين بدأوا بالفعل في إعادة التفكير في موقعهم في النظام الدولي، من خلال إعادة ترتيب تحالفاتهم، وتقليل الاعتماد على واشنطن في ملفات الأمن والطاقة، والنظر في خيارات دبلوماسية وتجارية بديلة، حتى لو كان ذلك على حساب تكلفة اقتصادية عالية.
غير أن التحدي الأكبر هو أن أوروبا لم تعد مجرد مسرح للتعاون الغربي التقليدي، بل أصبحت مضطرة لمواجهة واقع جديد حيث أصبحت الثقة بالولايات المتحدة في أدنى مستوياتها منذ عقود، وهو ما يفرض عليها التحرك بحذر وحنكة لضمان عدم فقدان مكانتها على الساحة الدولية.