logo
العالم

جزيرة أربكت الغرب.. كيف تحولت غرينلاند إلى اختبار وحدة أوروبا؟

جزيرة غرينلاندالمصدر: غيتي إيمجز

تحولت أزمة  غرينلاند إلى مقياس لقدرة أوروبا على الدفاع عن السيادة عملياً وليس فقط من حيث المبدأ، عندما لم تعد القواعد القانونية وعادات التحالفات كافية. 

لعقود طويلة، افترض القادة الأوروبيون أن الاختبار الحقيقي للوحدة القارية سيأتي من موسكو، لكن أن يأتي الاختبار الآن من الولايات المتحدة فرض إعادة حساب حول كيف تدافع أوروبا عن نفسها ليس فقط بأمريكا أقل، بل محتملاً ضد أمريكا.

هذا التحول الدرامي يكشف عن مفارقة صادمة: الجزيرة الجليدية النائية التي لطالما اعتُبرت هامشية في الجيوسياسية الأوروبية، تحولت فجأة إلى المرآة التي تعكس أعمق مخاوف القارة العجوز وأكبر تناقضاتها.

من الإنكار إلى المواجهة.. مراحل الصدمة الأوروبية

واجهت أوروبا صدمة تهديدات ترامب بشأن غرينلاند، فتفاعلت في البداية بوضع الإنكار المعتاد، على أمل أن تختفي المسألة باتفاق ضمني. تلا ذلك الغضب بعد إعادة تأكيد الرئيس الأمريكي أن الملكية، وليس التعاون الاقتصادي أو الأمني، كانت هدفه السياسي الأساسي.

وحاولت أوروبا في البداية استخدام الاستراتيجية نفسها التي نجحت في قمة الناتو بلاهاي في يونيو 2025، لتجنب أسوأ التعريفات الجمركية للسوق الأوروبية ومنع انهيار الدعم الأمريكي لأوكرانيا، تعامل القادة مع الرئيس مباشرة من خلال الإعلان عن صفقات تجارية مواتية أو نجاحات في الإنفاق الدفاعي، سمحوا للإدارة بادعاء الانتصار والمضي قدماً.

لكن واجهت أوروبا توترات مماثلة حول غرينلاند، فاعتمدت استراتيجية تقدم فعلياً "كل شيء إلا الأراضي" لمعالجة المخاوف الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة، وعرض المسؤولون الأوروبيون والدنماركيون والغرينلانديون وجوداً أكبر لحلف الناتو يُسمى(Arctic Sentry) والمزيد من القوات الأمريكية، والعديد من صفقات الاستثمار في الموارد.

لكن هذه المرة، فشلت الاستراتيجية، وجدت أوروبا أن كتيب قواعدها لا يعمل بنفس الفعالية كما في الماضي. هذه المرة، يبدو أن رغبات ترامب لا تتعلق فقط بالشواغل الأمنية والاقتصادية، بل بالأراضي. وهذا خط أحمر ساطع للجانب الأوروبي.

لماذا غرينلاند تحديداً؟ 

ما يجعل أزمة غرينلاند اختباراً فريداً للوحدة الأوروبية ليس مجرد التهديد الأمريكي، بل طبيعة هذا التهديد. ضم أمريكا لغرينلاند سينتهك السيادة الدنماركية وحق غرينلاند في تقرير المصير. كما سيكون انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي من شأنه إنهاء تحالف الناتو.

والسؤال الجوهري الذي يطرحه المحللون: إذا ضمت الولايات المتحدة - كأقوى عضو في المجموعة - أراضي عضو آخر في الناتو، كيف يمكن اعتبار تعهد الدفاع الخاص بالتحالف موثوقاً؟

يقول أندرس بوك نيلسن، المحلل العسكري بالكلية الدفاعية الملكية الدنماركية، وأندريوس كوبيليوس، مفوض الاتحاد الأوروبي للدفاع والفضاء، إن الغزو الأمريكي لغرينلاند إذا حدث، سيكون نهاية الناتو. شدد نيلسن على أنه أصبح واضحاً الآن أن الدنمارك لم تعد قادرة على الاعتماد على الولايات المتحدة، وأن المستقبل يكمن في تعاون دفاعي أوروبي دون مشاركة أمريكية.

الوحدة الأوروبية الاستثنائية.. لكن الهشة

ما ميز الاستجابة الأوروبية هو مستواها غير المسبوق من الوحدة. ليس من المعتاد أن تتحدث أوروبا بصوت واحد - أو تستجيب بمثل هذه السرعة. لكن إعلان ترامب السبت عن عقوبات ضد عدة دول أوروبية ترفض أي مطالبة أمريكية بغرينلاند، كان إحدى تلك اللحظات.

عقد سفراء الاتحاد الأوروبي اجتماعاً طارئاً في بروكسل الأحد استجابة لتهديد ترامب. عبر القارة، بين الحلفاء الذين يتعاملون عادة بحذر مع تصريحات البيت الأبيض، كانت الاستجابة فورية وقاطعة، معترفة بتهديد وجودي للتحالف الأطلسي.

لكن هذه الوحدة، رغم قوتها الظاهرة، تحمل هشاشة عميقة. أنتجت تهديدات ترامب بشأن غرينلاند عرضاً قوياً بشكل غير عادي ومتعدد الجنسيات لدعم الدنمارك وغرينلاند، لكنها لم "توحد أوروبا" بشكل كامل بطريقة مؤسسية متماسكة.

التحليل الدقيق يكشف أن رد الفعل كان مدفوعاً من الدول وليس من الاتحاد الأوروبي: المفوضية الأوروبية والممثل السامي ظلا حذرين نسبياً، متجنبين المواجهة البارزة مع إعادة التأكيد العام على دعم سلامة غرينلاند.

اختبار الشجاعة الأوروبية.. ما وراء الكلمات

الاختبار الحقيقي لا يكمن في البيانات المشتركة، بل في السؤال الأعمق الذي تطرحه صحيفة غلوبال تايمز الصينية: "هذه ليست مسألة ماء وجه ومصالح للدنمارك وأوروبا فحسب، بل مسألة ما إذا كانت أوروبا لديها الشجاعة للوقوف والدفاع عن السلام الإقليمي والعدالة التي حققتها بشق الأنفس عندما تواجه القواعد والنظام الدولي الذي اعتمدت عليه تهديدات".

وتذكر الصحيفة أنه لعقود، روجت أوروبا لنفسها كـ"مدافع ومروج للنظام الدولي القائم على القواعد"، والآن، حان وقت اختبارها.

ويشير التحليل إلى أنه مقارنة بتهديدات القوة الصريحة من الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية الموجودة في غرينلاند، تبدو العمليات العسكرية الأوروبية الصغيرة النطاق أشبه بـ"استجابة إيمائية"، محاولة لإنقاذ ماء الوجه وتهدئة الدنمارك مع تجنب إغضاب الولايات المتحدة حقاً.

استراتيجية "الجودو الأطلسي" مقابل عقلية "السومو"

كما هو الحال مع الأزمات الأخرى التي خلقها ترامب، يتبنى قادة أوروبا نهجاً يمكن تسميته بـ"الجودو الأطلسي". مثل مصارعي الجودو، يحاولون إعادة توجيه طاقة ترامب - أحاديته الصارخة التي تضع أمريكا أولاً - وإقناعه بأن أفضل تعبير عن ذلك هو التعددية الأطلسية الجماعية.

بعبارة أخرى، يقولون: "نعم، دونالد. أنت على حق تماماً في إثارة الأمن القطبي كمشكلة كبيرة. نحن نتفق تماماً. بينما لسنا متأكدين من أن غزو غرينلاند هو الحل، فإن الناتو هو الحل."

لكن نهج ترامب أشبه بالسومو. مستخدماً النفوذ الجيوسياسي الكبير للولايات المتحدة، يظل الرئيس غير متزعزع. لكل التوسلات من الأوروبيين المحيرين، يبقى غير متأثر.

الاعتماد الأوروبي.. نقطة الضعف القاتلة

يكشف التحليل العميق أن أزمة غرينلاند تعري الاعتماد غير المريح لأوروبا على الضمانات الأمنية الأمريكية. إذا كان مصدر الضغط هو الولايات المتحدة نفسها، يجب على أوروبا أن تتأمل كيف ستستجيب فعلياً - سيناريو لا توجد له خطة متماسكة حتى الآن.

استجابة أوروبا تعتمد بشكل كبير على اللغة القانونية المعيارية - السيادة، وتقرير المصير، والقانون الدولي - لكن هذا يكشف عن توتر حقيقي: المبادئ وحدها لا تحل محل الردع بالقوة الصلبة في منطقة قطبية متزايدة العسكرة.

إمكانية الاسترضاء.. الخوف الأكبر

ويحذر المحللون من احتمال خطير، الاسترضاء أو الاستسلام ممكن. إذا كان الأوروبيون في حالة ذعر كافية، يمكنهم الضغط على الدنمارك لمنح الغرينلانديين استفتاء الاستقلال الذي تم الحديث عنه لسنوات. إذا اختار الغرينلانديون السيادة الكاملة - كما يريد الأغلبية في النهاية - يمكن لأوروبا أن تدعي أن مصير غرينلاند لم يعد مشكلتهم.

لكن في الوقت الحالي، القادة الأوروبيون متحدون وراء كوبنهاغن ونوك. سيادة الدنمارك غير قابلة للانتهاك، كما يقولون. وغرينلاند ليست للبيع.

التحول الاستراتيجي.. نحو استقلالية أوروبية؟

يشير المحللون إلى أن الأزمة تسرع من الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، كما يتضح من إعلان فرنسا فتح قنصلية في نوك، وهي خطوة لتضمين الوجود السياسي للاتحاد الأوروبي كثقل موازن للضغط الأمريكي.

تواجه أوروبا خطر مواجهة لحظة حقيقة محفوفة بالمخاطر إذا واجهت خطتها لتعزيز الوجود الدبلوماسي والأمني في غرينلاند وزيادة التعاون الاقتصادي عملاً عسكرياً أمريكياً مباشراً.

تشير المادة إلى أن مفهوم الأمن الحصري والتصادمي والقائم على القوة الذي تمثله آليات الأمن الجماعي مثل الناتو لا يمكن أن يجلب الأمن الحقيقي لأوروبا.

اختبار لم تستعد له أوروبا

تحولت غرينلاند من جزيرة نائية إلى اختبار وجودي للمشروع الأوروبي لأسباب عميقة: أولاً، إنها تكشف أن التهديد الحقيقي للوحدة الأوروبية لا يأتي دائماً من الخصوم المتوقعين (روسيا، الصين)، بل قد يأتي من داخل التحالف نفسه.

ثانياً، تعري الاعتماد الأوروبي المفرط على الضمانات الأمنية الأمريكية، مما يجعل أوروبا عاجزة عندما يصبح الضامن نفسه مصدر التهديد، ثالثاً، تختبر ما إذا كانت المبادئ الأوروبية (السيادة، القانون الدولي، حقوق الإنسان) مجرد شعارات براغماتية أم قيم راسخة تستحق المخاطرة من أجلها. 

أخبار ذات علاقة

دونالد ترامب

بعد "خيبة" جائزة نوبل.. ترامب يؤكد رغبته في غرينلاند

السؤال الآن ليس ما إذا كانت غرينلاند ستبقى دنماركية، بل ما إذا كانت أوروبا ستجتاز هذا الاختبار موحدة - أم ستكشف الأزمة أن الوحدة الأوروبية، مثل جليد غرينلاند، تذوب أمام الحرارة الحقيقية للمواجهة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC