"أ ف ب": ارتفاع عدد قتلى أفراد الأمن في الهجمات بولاية بلوشستان الباكستانية إلى 10

logo
العالم

انقسامات داخل الناتو.. لماذا يُثير مارك روته غضب الإليزيه؟

لقاء سابق بين روته وماكرونالمصدر: أ ف ب

في تطور يعكس الانقسامات العميقة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تصاعد التوتر بين أمينه العام مارك روته وفرنسا، حيث أثارت تصريحاته الأخيرة موجة غضب في باريس، وأعادت إلى الواجهة الخلافات الجوهرية حول مستقبل الدفاع الأوروبي واستقلاليته عن الولايات المتحدة.

وخلال جلسة استماع متوترة أمام البرلمان الأوروبي في بروكسل، رفض روته بشكل قاطع فكرة قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة، في تصريحات اعتبرتها باريس ضربة مباشرة لطموحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بناء استقلالية دفاعية أوروبية.

أخبار ذات علاقة

الأمين العام للناتو مارك روته

روته: الاتحاد الأوروبي ليس بحاجة للانفصال عن أمريكا "دفاعياً"

من الصداقة إلى المواجهة

كانت العلاقة بين روته وماكرون تتسم بالود حين كان الأول يتولى رئاسة وزراء هولندا، حيث وجدا أرضية مشتركة رغم اختلاف توجهاتهما السياسية. لكن منذ توليه منصب الأمين العام للناتو، تحولت العلاقة إلى مواجهة مفتوحة، وفق مجلة "لوبوان".

ويعكس هذا التحول تغيراً أعمق في الأولويات؛ إذ استبدل روته علاقته الودية مع ماكرون بتحالف أوثق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يصفه بعبارات تقدير كبيرة، بل ويناديه بـ"أبي" في إشارة إلى التقارب الوثيق بينهما.

العبارة التي فجرت الأزمة

في جلسة الاستماع أمام لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان الأوروبي، لم يكتف روته بتهميش الطموحات الفرنسية، بل سحقها بابتسامته المعهودة وعباراته الصادمة، قائلاً: "إذا كان أي شخص هنا لا يزال يعتقد أن الاتحاد الأوروبي أو أوروبا ككل يمكنها الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة، فواصلوا الحلم، لا يمكنكم ذلك، لا نستطيع ذلك، نحن بحاجة إلى بعضنا البعض".

هذه التصريحات أشعلت موجة من الغضب في العاصمة الفرنسية، حيث منح الرئيس ماكرون وزراءه "رخصة الرد" على ما اعتبروه تجاوزاً غير مقبول من الأمين العام للحلف.

الرد الفرنسي الحاسم

سارع وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو بالرد بحزم: "لا يا عزيزي مارك روته. يمكن للأوروبيين ويجب عليهم تحمل مسؤولية أمنهم. حتى الولايات المتحدة توافق على ذلك. إنه الركيزة الأوروبية للناتو".

ودعم هذا الموقف وزير القوات المسلحة بنيامين حداد في تصريحات لـ"دويتشه فيله": "العالم يصبح أكثر وحشية. ليس لدينا خيار سوى تحمل مسؤولية أمننا. أوروبا ليست ضعيفة. لدينا الأدوات ويجب أن نمضي قدماً".

رفض الاستقلالية الأوروبية

يعارض روته، مثل جميع الأمناء العامين السابقين للناتو، بشدة أي فكرة عن استقلالية الدفاع الأوروبي، إذ يرى فيها تهديداً لوحدة الحلف الأطلسي ولدور الولايات المتحدة فيه. ويعتبر أن "الركيزة الأوروبية للناتو" مجرد فكرة غامضة لا جدوى منها.

ويشدد الأمين العام على أن القيادة العسكرية للناتو أمريكية بوضوح، وأن الجيش الأمريكي سيدير أي عمليات كبرى من مقره في الولايات المتحدة، مكتفياً بتفويض الناتو لتنظيم القوات الأوروبية تحت القيادة الأمريكية.

الحقيقة القاسية.. أوروبا عارية دون أمريكا

يختزل روته الموقف في معادلة بسيطة وقاسية: دون المظلة النووية الأمريكية ودون زيادة هائلة في الميزانيات الدفاعية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي (منها 3.5% للجانب العسكري)، فإن أوروبا عارية تماماً.

بل يستخدم الأرقام لردع أي محاولة للاستقلال الأوروبي، مشيراً إلى أن بناء ردع نووي أوروبي سيكلف 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي تكلفة باهظة تفقد معها أوروبا "الضمانة النهائية لحريتها" التي توفرها الولايات المتحدة.

أخبار ذات علاقة

كايا كالاس

كالاس تحسم الجدل: "الجيش الأوروبي" حلم بعيد المنال

"تقسيم العمل".. إهانة أوروبية

وفيما يعتبره الأوروبيون إهانة صريحة، يقترح روته تقسيماً للعمل يحتفظ فيه الناتو بكل أدوات القوة الحقيقية (المعايير، الأهداف القدراتية، القيادة والسيطرة)، بينما يُحال الاتحاد الأوروبي إلى مهام لوجستية ثانوية مثل "جمع المال" وتسهيل مرور الدبابات عبر السوق الداخلية.

أما فكرة بناء جيش أوروبي مستقل أو هياكل موازية، فيسحقها روته بسخرية: "أتمنى لكم حظاً سعيداً... بوتين سيحب ذلك"، محذراً من أن أي استقلالية أوروبية ستخلق مسافة مع واشنطن تستغلها موسكو.

ترامب.. مدرب فعال أم خطر وجودي؟

يتجلى الخلاف بين باريس وروته بشكل صارخ في تقييمهما لدور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبينما ترى فرنسا فيه خطراً وجودياً على أمن أوروبا، يراه روته "مدرباً رياضياً فعالاً" يدفع الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي.

وقال روته أمام البرلمان الأوروبي: "دون ترامب، لم تكونوا لتصلوا أبداً إلى نسبة 2%. دونه، لم تكونوا لتقبلوا أبداً نسبة 5%"، ناسباً الفضل في زيادة الميزانيات الدفاعية الأوروبية إلى ضغوط ترامب وليس إلى التهديد الروسي.

براغماتية أم خنوع؟

يتبنى روته موقفاً براغماتياً لا يخلو من الخنوع، في نظر الفرنسيين. فعندما سُئل عن التهديدات الأمريكية بشأن غرينلاند، تهرب من الإجابة رافضاً التعليق على النزاعات بين الحلفاء حتى لا يزعج واشنطن.

وفي منتصف يناير/ كانون الثاني، في ذروة أزمة غرينلاند، صرح قائلاً: "دونالد ترامب يقوم بعمل جيد. أعلم أنني أزعج الكثيرين منكم، لكنني أعتقد ذلك".

هذا الموقف يعزز مخاوف قصر الإليزيه من أن الناتو، بدلاً من أن يصبح "فرنسياً" أو أوروبياً، يتحول إلى أداة للولاء الأطلسي الأعمى لواشنطن.

أوروبا تستثمر في صمت

في وقت يبدو فيه التواصل مقطوعاً تماماً بين روته وماكرون، اختارت أغلب العواصم الأوروبية سياسة الصمت العلني تاركةً الأمين العام للناتو في مواجهة العاصفة بمفرده. لكن هذا السكون يخفي خلفه حراكاً محموماً؛ إذ تشير المعطيات إلى أن الأوروبيين يعملون بعيداً عن الأضواء وفي الغرف المغلقة على تعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية، في محاولة لتجسيد الاستقلال الاستراتيجي واقعاً بعيداً عن ضجيج التصريحات والمساجلات السياسية.

وقد أوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس الموقف الأوروبي في ديسمبر/ كانون الأول 2025: "عقود السلام الأمريكي قد انتهت فعلياً بالنسبة لنا في أوروبا وألمانيا. الحنين لا جدوى منه. الأمريكيون يدافعون عن مصالحهم بقوة ولا يمكن أن يكون هناك رد آخر سوى الدفاع عن مصالحنا أيضاً".

وعلى الصعيد العملي، تم إطلاق برامج دفاعية أوروبية مثل القروض الآمنة (SAFE) وأداة EDIP، مع تطبيق أفضلية أوروبية بنسبة 65% في المشتريات الدفاعية، رغم معارضة هولندا الشديدة لهذه الخطوة.

أخبار ذات علاقة

لقاء بين مارك روته والرئيس ترامب على دافوس

"دبلوماسية الرضوخ".. روته بين حماية "الناتو" وإملاءات البيت الأبيض

سباق مع الزمن

تواجه أوروبا معضلة الزمن. فالبرامج الصناعية الدفاعية الجديدة ستستغرق من 5 إلى 10 سنوات قبل أن تصبح جاهزة، وهو وقت طويل جداً في ظل التهديدات الراهنة.

وبينما يدير روته علاقته مع "أبي" ترامب، يستثمر الأوروبيون بصمت في أدواتهم العسكرية، في محاولة لتحقيق توازن صعب بين الحفاظ على التحالف الأطلسي وبناء استقلالية دفاعية حقيقية.

ويقول مراقبون إن الصحوة الأوروبية جاءت متأخرة بحرب واحدة، لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة لبناء دفاع أوروبي مستقل قبل فوات الأوان.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC