في خضم أزمة غرينلاند التي هزّت أركان حلف شمال الأطلسي، يجد الأمين العام مارك روته نفسه في موقف شائك بين انتقادات أوروبية حادة لموقفه المتساهل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومحاولته الحفاظ على تماسك الحلف الذي يواجه أخطر أزمة في تاريخه الممتد لثمانية عقود.
أثار روته عاصفة من الانتقادات خلال جلسة استماع أمام البرلمان الأوروبي يوم 26 يناير/ كانون الثاني الجاري، عندما قال، إن من يعتقد أن الاتحاد الأوروبي يمكنه الدفاع عن نفسه دون الولايات المتحدة عليه "مواصلة الحلم".
وأكد روته: "لا يمكنكم ذلك، لا نستطيع، نحن بحاجة إلى بعضنا البعض". وحذّر من أن بناء قوة دفاع أوروبية منفصلة "سيعقد الأمور، وأعتقد أن بوتين سيحب ذلك".
تصريحات روته جاءت مع محاولة ترامب الاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك بتهديدات عقابية، وهو نزاع غير مسبوق دفع التحالف العسكري إلى حافة الانهيار، لكن روته نجح في التوسط لإبرام اتفاق حول الأمن القطبي خفف التوترات.
الرد الفرنسي جاء سريعاً وحاداً. كتب وزير الخارجية جان-نويل بارو على منصة "إكس": "لا يا عزيزي مارك روته. يمكن للأوروبيين ويجب عليهم تحمّل مسؤولية أمنهم. حتى الولايات المتحدة توافق. إنه الركيزة الأوروبية للناتو".
وأشار نائب الوزير بنيامين حداد في حوار مع "دويتشه فيله" إلى أن أوروبا، وليس الولايات المتحدة، هي أكبر مانح لأوكرانيا، مؤكداً: "يتعين علينا أن نذهب أبعد بكثير. نرى عالماً أكثر وحشية. نرى تهديدات من حلفاء أمريكيين ضد سيادة الدنمارك". ووصفت ناتالي لوازو، عضوة البرلمان الأوروبي الفرنسية البارزة، الموقف بأنه "لحظة مخزية"، مضيفة أن "روته يعتقد أن الوقاحة تجاه الأوروبيين ستُرضي ترامب".
في المقابل، دعت المسؤولة عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، في مؤتمر دفاعي ببروكسل الثلاثاء إلى أن "يصبح الناتو أكثر أوروبية للحفاظ على قوته". وقالت كالاس، إن التحول في العلاقات مع واشنطن "هيكلي وليس مؤقتاً"، محذرة من أن "لا قوة عظمى في التاريخ استعانت بمصادر خارجية لبقائها ونجت".
من جهته دافع عضو البرلمان الأوروبي الدنماركي هنريك دال في مقال رأي بـ"يورو نيوز" قائلاً: "عندما يكون التشخيص صحيحاً، فإن السخط ليس بديلاً عن العلاج". وأوضح أن أوروبا تفتقر إلى القدرات العسكرية الرئيسية، خاصة القيادة المستقلة والاستخبارات والبنية التحتية الرقمية.
لكن محللين أمريكيين انتقدوا موقف روته. حيث قال ماكس بيرجمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لموقع "ديفينس نيوز": هذا سخيف. يمكن لأوروبا بالتأكيد ردع روسيا والدفاع عن نفسها إذا كانت مركّزة وحازمة". وأضاف أن "إدامة شعور بالعجز الأوروبي قد يساعد روته بيروقراطياً، لكنه خاطئ، الولايات المتحدة لن تأتي للدفاع عن أوروبا".
ودافع روته عن موقفه بحجج اقتصادية. قال لإذاعة "إن بي أر"، إن أوروبا ستحتاج لإنفاق 10% من ناتجها المحلي على الدفاع بدلاً من 5%، وبناء قدرتها النووية بتكلفة "مليارات ومليارات اليورو"، محذراً: "ستفقدون الضامن النهائي لحريتنا، وهو المظلة النووية الأمريكية. إذن، حظاً سعيداً!".
وأثار مديح روته المتكرر لترامب غضب البرلمانيين. سخر تشارلز ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، من موقف روته مشيراً إلى أنه وصف ترامب بـ"بابا" العام الماضي. وكتب ميشيل "عزيزي مارك روته، أنت مخطئ. ستدافع أوروبا عن نفسها. ودونالد ترامب ليس أبي".
في المحصلة، لا يقف روته أمام اختبار دبلوماسي عابر، بل أمام لحظة تأسيسية في تاريخ الحلف، فإما أن ينجح في إدارة التحول الجاري داخل الناتو، عبر موازنة الاعتماد على واشنطن، أو أن يتحوّل الحلف، تحت ضغط الواقعية المفرطة، إلى مظلة أمريكية بواجهة أوروبية. وعندها لن يكون السؤال إن كان الناتو سيصمد، بل أي ناتو سيبقى، ولصالح من؟.