يرى خبراء أن الرئيس دونالد ترامب يسعى لإعادة "عظمة أمريكا" من خلال السيطرة على مناطق مثل غرينلاند، سواء بالشراء أو بالقوة العسكرية، لكنه يواجه اعتراضات داخلية من الجمهوريين والديمقراطيين بسبب تهديداته للأمن القومي الأمريكي ومستقبل حلف شمال الأطلسي.
ويقول الخبراء إن الغالبية تفضل الحل السلمي أو الشراء الطوعي، مشيرين إلى أن تهديداته العشوائية قد تضر بعلاقات واشنطن مع الحلفاء وتفتح الباب لتصدعات دولية وأوروبية، بينما يحاول بعض الجمهوريين إيجاد حلول وسط لتجنب انهيار الناتو.
وطمأن مشرعون أمريكيون، من بينهم نواب جمهوريون، قادة الدنمارك وغرينلاند أخيراً بدعم الكونغرس لهم في مواجهة تهديدات الرئيس ترامب بالسيطرة على الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.
وهدد ترامب 8 دول أوروبية وأعضاء في الناتو، بفرض رسوم جمركية بسبب موقفها تجاه قضية غرينلاند، وهو أمر رفضته الدولة واعتبرته ابتزاز سياسي.
ويقول الخبير في الشؤون الأمريكية، السفير مسعود معلوف، إن ترامب يعتبر نفسه أحد أعظم الشخصيات في تاريخ الولايات المتحدة، ويرى من سبقه فاشلين، ومن هذا المنطلق يسعى للسيطرة على دول أخرى معتقدًا أن ذلك سيعيد لعظمة أمريكا مكانتها، كما ظهر في تحركاته تجاه فنزويلا وخططه في أمريكا اللاتينية، وصولًا إلى غرينلاند التي يسعى للاستحواذ عليها سواء عبر الشراء أو بالوسائل العسكرية.
وأضاف معلوف لـ"إرم نيوز" أن مواقف ترامب تجاه غرينلاند، إلى جانب ابتعاده عن الدعم الكامل لأوكرانيا مقارنة بالإدارة السابقة، أثارت اعتراضات داخل الولايات المتحدة، ليس فقط من الحزب الديمقراطي، بل أيضًا من الجمهوريين، خصوصًا فيما يتعلق بالجزيرة التابعة للدنمارك وعضويتها في الناتو، إذ إن أي تحرك عسكري قد يهدد مستقبل الحلف ويفرط عقده، مما قد يشجع روسيا على استغلال الوضع لاحتلال الجزيرة.
وأوضح معلوف أن داخل الحزب الجمهوري تتباين المواقف تجاه خطوة ترامب، حيث أظهر أحد استطلاعات الرأي أن 70% من أعضاء الحزب يعارضون أي عملية عسكرية ضد غرينلاند، بينما 67% يؤيدون شراء الجزيرة حال موافقة الدنمارك.
وأشار معلوف إلى أن تعقيد المواقف نابع من قرب الحملة التشريعية النصفية، إذ يخشى المرشحون وأعضاء الكونغرس الجمهوريون مواجهة ترامب حال عدم دعمه لخطواتهم بشأن غرينلاند، مما يجعل الملف محاطًا بالارتباك بين محاولات إقناع الرئيس بالتراجع عن الخيار العسكري، ورفض البعض الآخر، لكن دون جرأة على إعلان موقفهم العلني.
واستكمل معلوف أن ترامب يهدد ثمانية من الحلفاء الأوروبيين في الناتو بفرض رسوم جمركية تبدأ من 10% في فبراير/شباط وترتفع إلى 25% في يونيو/حزيران، ما أثار اعتراضات داخل الحزب الجمهوري باعتبار أن هذه الإجراءات تضر بعلاقات واشنطن مع أوروبا.
وأضاف معلوف أن الحزب لم يتخذ حتى الآن موقفاً رسمياً، مما دفع بعض الجمهوريين للمطالبة بأن تتم المصادقة على هذه الرسوم الجمركية عبر تشريع من الكونغرس لضمان شرعيتها.
ويرجح معلوف أن أعضاء الكونغرس من الجمهوريين سيعملون على زيادة عدد الجنود الأمريكيين في غرينلاند، استناداً إلى اتفاقية العام 1951 التي تسمح للولايات المتحدة بنشر عناصر وآليات عسكرية دون اعتبار ذلك احتلالاً.
وأوضح أن هذا يمنح ترامب فرصة للتباهي بالسيطرة على الجزيرة دون ضمها، ما يشكّل حلاً وسطاً يحافظ على تماسك حلف الناتو، لكن يبقى الخطر قائماً في حال استمر ترامب في التعامل مع الملف بطريقة عشوائية.
بدوره، يرى الباحث في الشؤون الأمريكية، نعمان أبو عيسى، أنه بعد تمادي الرئيس ترامب في فرض العقوبات التجارية والتعريفات الجمركية، التي تصل حالياً إلى 10% وترتفع إلى 25% في الصيف المقبل، أعلن بعض قادة الحزب الجمهوري، لا سيما في مجلس الشيوخ، أن ما يقوم به الرئيس يعد تهديداً لحلف الناتو، وقد يدفع العلاقات عبر الأطلسي إلى حافة الهاوية إذا استمرت هذه التهديدات.
وأكد أبو عيسى في حديثه لـ"إرم نيوز" أن الغالبية في الحزب الجمهوري ترفض استخدام القوة ضد دول حليفة مثل الدنمارك لضم غرينلاند، رغم وجود نسبة من الأمريكيين ترحب بانضمام الجزيرة طوعياً أو من خلال عملية شراء متفق عليها، كما جرى مع ولاية ألاسكا التي اشترتها الولايات المتحدة من روسيا.
وأشار أبو عيسى إلى أن بعض القادة الجمهوريين يحذرون من خطورة توجه ترامب نحو غرينلاند على مستقبل حلف الناتو، معتبرين أن استمرار التهديدات قد يغير على الأقل أسس ومزايا التحالف الأطلسي.
وأضاف أنه إذا كان هدف الرئيس الأمريكي هو انضمام سكان غرينلاند للولايات المتحدة، فلا يمكن تحقيق ذلك بهذه الطريقة.
واعتبر أن ما يحدث يظهر للجمهوريين أن الأمن القومي الأمريكي وعلاقته بالناتو مهددان، نتيجة تصرفات ترامب التي قد تؤدي إلى تفكيك التماسك التاريخي بين ضفتي الأطلسي.
وأكد أن الاجتماعات الأخيرة لقادة أوروبيين، والتي تركزت على رفض الانصياع للتهديدات الأمريكية، بما في ذلك فرض التعريفات الجمركية، أظهرت أنهم لن يحتملوا هذا النهج مجدداً.