logo
العالم

من التهديد إلى التنفيذ.. خطة "انسحاب جزئي" أمريكي تنذر ببدء انهيار الناتو

ترامب يستقبل زيلينسكي رفقة قادة دول الناتو المصدر: أ ف ب

في تطور غير مسبوق يهز أركان حلف شمال الأطلسي "الناتو"، كشفت تقارير صحفية أمريكية أن البنتاغون بدأ تنفيذ خطوات عملية لتقليص المشاركة الأمريكية في آليات عمل الحلف، في خطوة يراها خبراء الأمن الدولي بداية لتفكك أقوى تحالف عسكري في التاريخ الحديث.

وأفادت صحيفة "واشنطن بوست" بأن وزارة الدفاع الأمريكية تخطط لتقليص مشاركتها في واحدة من المجموعات الاستشارية للناتو، في أحدث علامة على توجه إدارة دونالد ترامب لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. 

القرار سيؤثر على حوالي 200 فرد عسكري وسيقلل من المشاركة الأمريكية في حوالي 30 منظمة تابعة للناتو، بما في ذلك مراكز التميز التي تدرب قوات الحلف على جوانب مختلفة من الحرب.

وبدلاً من الانسحاب الفوري، تعتزم وزارة الدفاع عدم استبدال الأفراد عند انتهاء فترة خدمتهم، وهي عملية قد تستغرق سنوات. من بين المجموعات الاستشارية التي تواجه تخفيضات تلك المخصصة للأمن الطاقي للحلف والحرب البحرية والعمليات الخاصة والاستخبارات.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ترامب: أنقذت الناتو من السقوط في "مزبلة التاريخ"

تهديدات ترامب تثير قلقًا عالميًّا

التطورات الأخيرة تأتي في سياق تصعيد خطير من الرئيس ترامب تجاه حلفاء أمريكا. ترامب هدد بفرض تعريفات جمركية بنسبة 10% على جميع السلع من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا اعتباراً من 1 فبراير/ شباط، مع زيادتها إلى 25% بحلول 1 يونيو/ حزيران حتى يتم التوصل لاتفاق بشأن غرينلاند.

رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن حذرت من أن هجوماً أمريكياً على حليف في الناتو قد يعني نهاية الحلف نفسه. وقالت إنه من الصعب تصوّر كيف يمكن للحلف أن يتعافى من خرق للمعاهدة بهذه الصدمة، حيث يهاجم حليف آخر للاستيلاء على أراض.

 مشغلو أنظمة المراقبة التابعة لحلف الناتو

الحلف على شفا الهاوية

ويرى المحللون أن التهديدات الأمريكية تمثل أكبر أزمة في تاريخ الناتو الممتد لـ77 عاماً، ومن بينهم إيلاريا دي جويا، المحاضرة في القانون الأمريكي بجامعة برمنغهام سيتي، التي أكدت أن مجرد فكرة انسحاب الولايات المتحدة تؤدي لتآكل الثقة والتماسك ومصداقية الدفاع الجماعي. وأضافت أن تكرار ترامب التشكيك في الحلف يضعف الردع ويهز التخطيط الأمني الأوروبي ويشجع الخصوم.

أمّا آنا ويسلاندر، مديرة شؤون شمال أوروبا في مجلس الأطلسي، فحذرت قائلة: "إذا جاءت اللحظة الأكثر قتامة واستخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية لضم غرينلاند، فإن جوهر المادة 5 والدفاع الجماعي داخل الناتو سيفقد معناه".

كيرتس برادلي، أستاذ القانون في جامعة شيكاغو، وصف الحلف بأنه أهم معاهدة دفاع مشترك في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى أن انسحاب الولايات المتحدة سيكون مفاجئاً، لكنه يتوقع استمرار التوترات بدلاً من الانسحاب الرسمي الكامل.

العقبات القانونية والواقع السياسي

من الناحية القانونية، يواجه ترامب عقبات كبيرة. أقر الكونغرس الأمريكي في عام 2024 قانوناً يحظر على الرئيس الانسحاب من الناتو من جانب واحد دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو قانون من الكونغرس. 

ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن هذه القيود القانونية ليست صلبة تماماً، حيث يمكن لترامب محاولة تجاوز الكونغرس بالاستناد إلى السلطة الرئاسية في السياسة الخارجية.

ردود فعل أوروبية حازمة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسم مقارنة بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في "عدوانيتهما الإقليمية"، مؤكدًا أن فرنسا تفضل استقلال وسيادة جميع الأمم. وقال: "لن يؤثر فينا أي ترهيب أو تهديد.. لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر".

وغيّر القادة الأوروبيون، الذين أمضوا العام الماضي، في محاولة استرضاء ترامب ومجاملته، نبرتهم بشكل كبير. القضية لا تتعلق فقط بالأراضي، بل تمس جوهر المُثل الأوروبية المتمثلة في حق الشعوب في تقرير المصير.

أخبار ذات علاقة

وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت

وزير الخزانة الأمريكي يطالب أوروبا بـ"ضبط النفس" في أزمة غرينلاند

التداعيات الاستراتيجية

ستيفن دورلوف، الخبير الأمريكي، حذر من أن هذا الإجراء يمثل نهاية فعلية للناتو كما نعرفه، مشيراً إلى أن الحلف يعمل بفضل الالتزامات الموثوقة بين الحلفاء.

وأضاف أن هذا الإجراء سيسرّع من العداء تجاه الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، حتى لو فاز الديمقراطيون في 2028، فإن احتمال ظهور رئيس مستقبلي شبيه بترامب يعني فقدان الثقة بشكل دائم.

الخطورة الأكبر تكمن في أن روسيا والصين وغيرهما من الخصوم سيدركون أن الردع الممتد الموثوق لم يعد موجوداً لأوروبا أو كندا، وأن الولايات المتحدة قد خسرت أقرب وأقوى حلفائها. 

تقرير استخبارات دنماركي صدر في فبراير/ شباط 2025 أشار إلى أن روسيا قد تكون جاهزة لشن حرب واسعة النطاق في أوروبا خلال 5 سنوات، مما يجعل التوقيت الحالي للأزمة أكثر خطورة.

تحدٍّ وجودي

ما بدأ كتحذيرات وتهديدات لفظية من ترامب يتحول الآن إلى إجراءات عملية على الأرض. تقليص المشاركة الأمريكية في آليات الناتو، إلى جانب التهديدات بشأن غرينلاند، يشكل تحدياً وجودياً للحلف. 

السؤال المطروح الآن ليس ما إذا كان الناتو سيتغير، بل كيف سيكون شكل النظام الأمني الأوروبي في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية. الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الحلف الذي ضمن الأمن الأوروبي لأكثر من 7 عقود.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC