شهدت قدرات الغواصات النووية الصينية تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع بروز فئة 09IIIB والتصميم المستقبلي 09V.
ويُنظر إلى هذين المشروعين كنقطة تحول في مسار تطوير الغواصات النووية الهجومية لدى بحرية جيش التحرير الشعبي الصيني، بما يعزز دورها الاستراتيجي في المنطقة وخارجها.
تظل هذه الغواصات محاطة بسرية شديدة، وتُعد الصور المتاحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو صور الأقمار الصناعية من بين المصادر القليلة للاطلاع على تصميماتها ومؤشرات قدراتها، وفق مجلة " thediplomat".
تتم عمليات تصنيع الغواصات النووية في حوض بوهاي بمدينة هولوداو، حيث تم بناء مرافق جديدة ضخمة تشمل قاعات تجميع متعددة مجهزة بمسارات سكك حديدية واسعة وأحواض جافة للإطلاق.
تشير هذه البنية التحتية إلى قدرة الصين على إنتاج غواصات نووية هجومية وباليستية بشكل مستدام، مع إمكانية إطلاق عدة غواصات سنويًا.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية إطلاق ما يصل إلى ثماني غواصات من فئة 09IIIB بين منتصف 2022 وأوائل 2026، وهو معدل مرتفع مقارنة بماضي البحرية الصينية.
تعتبر الغواصة 09IIIB تطويرًا مهمًا عن الفئتين السابقتين 09III و09IIIA، مع تحسينات ملحوظة في أنظمة الدفع والتخفيف الصوتي وإطلاق الصواريخ، تم تجهيزها بمحرك نفاث وأنظمة إطلاق عمودية مكونة من 24 خلية، بالإضافة إلى مفاعل نووي من الجيل الثاني.
كما طُورت أنظمة الاستشعار وإدارة المعارك لتقترب من مستويات الغواصات الغربية الحديثة مثل فئتي Akula 1 المحسّنة وLos Angeles/688i المحسّنة.
ودخول هذه الفئة إلى الخدمة سيضاعف تقريبًا عدد غواصات الهجوم النووي الصينية العاملة، ما يعزز قدرتها على تنفيذ مهام هجومية مستقلة ودعم مجموعات حاملات الطائرات.
أما فئة 09V، فهي تصميم جديد كليًا ويُتوقع أن تكون أكبر حجمًا وأكثر تقدمًا، يبلغ قطر هيكلها نحو 12 مترًا، مع إزاحة بين 9000 و10000 طن، وقد تعتمد هيكلًا أحاديًا أو "هجينًا" بدل الهيكل المزدوج التقليدي، ما يوفر مساحة أكبر للأنظمة الفرعية والتخميد.
من المتوقع أن يتم تجهيزها بمفاعل نووي أقوى ونظام إطلاق عمودي متطور، مع دفات على شكل X ومحرك نفاث.
يُعتقد أن تصميم 09V يستهدف منافسة غواصات أمريكية حديثة مثل فئتي Seawolf وVirginia Block V، ما يعكس الطموح الصيني في تقليص الفجوة التكنولوجية في مجال الغواصات النووية.
تسهم هذه التطورات في تعزيز قدرة الصين على الردع البحري وتوسيع نطاق مهامها الاستراتيجية، إذ يمكن للغواصات النووية الهجومية الجديدة مرافقة حاملات الطائرات الصينية، وشن ضربات بعيدة المدى ضد أهداف بحرية وبرية، وتعزيز الردع الاستراتيجي في المحيطين الهندي والهادئ.
كما أن النمو السريع في هذا المجال يطرح تحديًا مباشرًا لتفوق الولايات المتحدة التقليدي في حرب الغواصات، ويستدعي انتباه حلفاء واشنطن مثل أستراليا، التي تسعى لامتلاك قدرات مماثلة عبر برنامج AUKUS.
رغم هذه المؤشرات، يبقى الغموض حاضرًا حول التفاصيل الدقيقة لقدرات الغواصات الصينية، بما في ذلك مستوى التخفيف الصوتي الحقيقي ومدى فاعلية أنظمة إطلاق الصواريخ.
يعتمد التحليل الحالي على صور الأقمار الصناعية والمعلومات المتاحة من وسائل الإعلام الدفاعية، فضلًا عن مؤشرات من خبراء ومحللين عسكريين.
كما أن التقديرات حول فئة 09V مبنية على الافتراضات المتعلقة بالتصاميم السابقة وبيانات جزئية من منشورات صينية رسمية وغير رسمية.
في المجمل، يبدو واضحًا أن الصين تسعى بهدوء إلى بناء أسطول غواصات نووية هجومية متقدم وذو قدرات نوعية وكبيرة، ما قد يغير ميزان القوى البحري العالمي في العقد المقبل.
ومع استمرار تطوير الفئات 09IIIB و09V، يصبح أسطول الغواصات النووية الصينية عنصرًا استراتيجيًا متناميًا يضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام تحديات جديدة في مناطق بحرية حيوية.