أكدت مصادر سياسية أن هناك معادلة بقاء متبادلة تربط المرشد الإيراني علي خامنئي بالحرس الثوري، تقوم على شبكة نفوذ عسكرية واقتصادية متشابكة، مغلّفة بـ"الشرعية الدينية"، تقطع الطريق أمام أي تهديد خارجي للسلطة، وتحمي المرشد من الانقلاب.
وأوضحت المصادر، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن العلاقة بين المرشد والحرس الثوري علاقة "روحية" و"عضوية"، ترتبط بالالتزام العقائدي بالثورة ومبادئها، مؤكدين أن الحرس الثوري ليس مجرد أداة لحماية النظام، بل جزء لا يتجزأ منه، وقوة عسكرية ودينية تحمي مؤسساته؛ ما يجعل هذه العلاقة راسخة وثابتة، ويصعب على أي قوة داخلية أو خارجية تهديد استقرار هذه المنظومة.
وبحسب المصادر، فإن الحرس الثوري لا يمتلك القرار العسكري فحسب، بل يتمتع أيضاً بنفوذ اقتصادي واسع، في إطار مقايضات منح بموجبها هذا التنظيم صلاحيات هائلة، قُدِّرت بنحو نصف الاقتصاد الإيراني، مقابل تقديم الولاء المطلق للمرشد. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الحرس الثوري بات المهيمن على موقع القرار الأعلى في إيران، إلى درجة دفعت البعض للقول إن المرشد القادم لا بد أن يحظى بمباركته قبل الوصول إلى المنصب.
وأصدر الإمام الخميني قرار تأسيس الحرس الثوري في أبريل/نيسان 1979، بهدف حماية النظام من الانقلابات العسكرية. وسرعان ما تحول من قوة أمنية إلى جيش نظامي يمتلك أفرعاً بحرية وجوية وبرية، خاصة خلال الحرب العراقية–الإيرانية، وانبثق عنه ما يعرف بـ"فيلق القدس"، المعني بفرض النفوذ وتنفيذ عمليات خاصة خارج البلاد، وقيادة أذرع إقليمية، لاسيما في العراق ولبنان، وفي مقدمتها "حزب الله".
ومع توسع أدوات نفوذه، بات يُنظر إلى الحرس الثوري بوصفه المتحكم الفعلي في القرارين السياسي والأمني، متجاوزاً صلاحيات معظم مؤسسات الدولة، بل ويراه البعض متحكماً في قرار المرشد نفسه.
وتشير تقارير إلى أن المرشد يُعد المصدر الشرعي لسلطة الحرس الثوري، في حين يمثل الأخير القوة العسكرية والاستخباراتية والمادية التي تضمن بقاء المرشد ونفوذه، في علاقة يدرك فيها الطرفان أن سقوط أحدهما يعني نهاية الآخر.
ويرى الخبير في الشؤون الإقليمية، هلال العبيدي، أن العلاقة بين المرشد والحرس الثوري تشبه إلى حد كبير العلاقات التي تحكم الأنظمة الشمولية والدكتاتورية، حيث تقوم شبكة معقدة بحماية هرم السلطة. وفي إيران، توجد شبكة "عنكبوتية" تضم "الباسيج»" ووزارة الدفاع وأجهزة أمنية قمعية، إلا أن الحرس الثوري يبقى في الصدارة، إذ لا يكتفي بحماية رأس السلطة، بل يمتلك أدوات تدخل خارجي تمنحه نفوذاً وتأثيراً في دول المنطقة، ليغدو صاحب اليد الطولى والعقل المدبر للسلطة.
وبيّن العبيدي لـ"إرم نيوز"، أن نفوذ الحرس الثوري لا يقتصر على السيطرة الأمنية، بل يتجاوزها إلى التحكم في مفاصل الاقتصاد الحكومي والخاص ومقدرات إيران؛ ما يجعله شبكة أمنية–عسكرية–اقتصادية متكاملة. ومن جهة أخرى، يؤدي دور الذراع الخارجي الأساسي في التعامل مع المجتمع الدولي، وفرض أدوات الهيمنة في الإقليم والدول المجاورة.
وبحسب العبيدي، فإن الحرس الثوري يمتلك خطوط اتصال كاملة مع قوى دولية، في ظل سيطرته على ملف العلاقات الخارجية، كما يحتفظ بقنوات تواصل مع الولايات المتحدة، التي تراهن بدورها على فتح مسارات توافق مع قيادات داخل هذا التنظيم، لا سيما في المرحلة الراهنة، بهدف بناء تفاهمات يمكن التعويل عليها مستقبلاً.
وأضاف الباحث في الشؤون الإقليمية، أن أي انقلاب داخلي محتمل في طهران سيكون مرهوناً بنفوذ قيادات داخل الحرس الثوري، وهو ما انعكس في أنباء عن اعتقال حسن روحاني ومحمد جواد ظريف، المحسوبين على التيار الإصلاحي، واللذين يدعوان إلى التعامل مع الأزمة الراهنة عبر تغيير السياسات.
ويأتي ذلك في وقت تتكثف فيه المعلومات حول وجود علاقات بين مسؤولين في الحرس الثوري وأطراف خارجية، في ظل مساعي واشنطن وتل أبيب لبناء شبكة علاقات متشابكة داخل إيران، بما في ذلك داخل هذا التنظيم، وهي شبكة يُعتقد أنها أسهمت في تحقيق مكاسب وعمليات اغتيال خلال حرب الـ12 يوماً.
من جهته، قال الخبير الاستراتيجي مصطفى الخفاجي إن العلاقة بين المرشد علي خامنئي والحرس الثوري الإيراني قوية ومتينة للغاية؛ إذ يُعد الحرس، بحكم مكانته، الركيزة الأساسية للثورة التي قامت على أنقاض نظام الشاه عام 1979، وحاميها الرئيسي. وأشار إلى أن المرشد يعتمد على هذه المؤسسة في حماية النظام من التهديدات الداخلية والاعتداءات الخارجية، فضلاً عن التصدي لمحاولات الانقلاب والتدخلات الأجنبية.
وأوضح الخفاجي لـ"إرم نيوز"، أن الحرس الثوري يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني عبر شبكة واسعة من الشركات والمؤسسات التابعة له؛ ما يمنحه نفوذاً اقتصادياً واسعاً داخل الدولة.
وتنبع سلطة المرشد، إلى حد كبير، من كونه القابض الفعلي على هذا التنظيم القوي، الذي يمتد نفوذه ليشمل مجلس صيانة الدستور، الجهة المشرفة على العملية الانتخابية، إضافة إلى أن المرشد الأعلى هو من يعين قادة الحرس الثوري ويوجه سياساتهم.
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن هذه العلاقة الوثيقة تسهم في توسيع النفوذ الإيراني إقليمياً، في ظل الهيمنة على السياسة الداخلية، ويمكن فهم أبعادها من خلال عدة جوانب، أبرزها السيطرة على السلطة، حيث يستخدم خامنئي الحرس الثوري لتعزيز نفوذه داخل مؤسسات الجمهورية الإسلامية، والحماية من التهديدات الداخلية والخارجية، إضافة إلى السيطرة الاقتصادية عبر هيمنة الشركات التابعة للحرس على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني.
وأضاف أن هناك بُعداً آخر يتمثل في الشرعية الدينية، إذ يمنح علي خامنئي الحرس الثوري غطاءً دينياً واضحاً، ويعدّه ركناً أساسياً من أركان الثورة الإسلامية، فضلاً عن دوره في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وتعكس هذه الأبعاد مجتمعة متانة العلاقة بين الطرفين، ودورهما المحوري في بنية النظام الإيراني.
واختتم الخفاجي بالقول إن العلاقة بين المرشد والحرس الثوري يمكن اختصارها بأنها علاقة روحية وليست شكلية، وعضوية وليست ظرفية أو مؤقتة، إذ تقوم على التزام عقائدي عميق بالثورة ومبادئها.