بين تيرانا وميناء دوريس الكبير غربي العاصمة الألبانية، حيث تتراص المراكز التجارية الصغيرة والمحطات والمقاهي، تقع على بُعد انعطافة واحدة عن الطريق السريع نحو التلال تلك القاعدة التي تقضّ مضاجع طهران، ربما أكثر من كثير من المنصات الصاروخية.
جدران شاهقة وأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة تُحيط بمدخل موصد، فوقه علمان: ألباني بلوني الأسود والأحمر، وإيراني يعود لحقبة ما قبل "الثورة الإسلامية، في إيران، وهو الذي يحمل شعار الشمس مع الأسد.
تلك هي قاعدة "أشرف-3"، الملاذ الوحيد في العالم للمعارضين الإيرانيين، وتضم نحو 3 آلاف عنصر، وتُدار من تلال ماناز البلدة الألبانية الصغيرة.
من ثوار ضد الشاه إلى جنود في حرب النقرات
تأسست منظمة مجاهدي خلق عام 1965 على أيدي طلاب يساريين معارضين لحكم الشاه، ثم انخرطت في "الثورة الإسلامية" عام 1979 قبل أن تنقلب على المرشد الإيراني وتنفصل.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، لجأ أعضاؤها إلى العراق حليف الأعداء زمن الحرب الإيرانية العراقية.
ومنذ ذلك الحين، تحوّلت المنظمة إلى قوة تخوض حرب الفضاء الإلكتروني: "مزارع نقرات" وآلاف الحسابات على منصات "إكس" و"فيسبوك" و"تيليغرام" تعمل بلا توقف من ألبانيا لتضخيم أصوات المعارضة داخل الجمهورية الإسلامية وتأجيج الاحتجاجات.
وكان المرشد السابق علي خامنئي شخصيًا، أعلن قبيل اندلاع الضربات الأمريكية الإسرائيلية أنه"لن يوفر أي ملجأ في الخارج من دفع الثمن لمن تلطّخت أياديهم بالدماء".
وفي اليوم العاشر من الحرب، صعّد الجنرال إسماعيل قاآني، قائد قوات القدس في الحرس الثوري، النبرة إلى درجة التهديد المباشر: "بإيواء مقرّ المرتزقة الإلكترونيين لمجاهدي خلق، حوّلت تيرانا أراضيها إلى امتداد لساحة المعركة".
وأضاف أنه "لا يُميّز بين من يُطلق الصواريخ ومن يُدير خوادم التخريب من تلال ماناز".
ألبانيا في مرمى التهديد الإيراني
لا تبدو هذه التهديدات كلامية للجانب الألباني، فقد رفع رئيس الوزراء إيدي راما مستوى الحراسة حول قاعدة المجاهدين بشكل لافت: دوريات شرطية متكاثرة وكاميرات مراقبة إضافية باتجاه الطريق.
لكن راما لا يبدو متزعزعًا، ويستشهد بالنموذج التركي حين تصدّت أنقرة عبر الناتو لصواريخ إيرانية اتجهت نحو أراضيها مرتين منذ بداية الحرب.
قصة هذه القاعدة مع التهديدات الإيرانية ليست وليدة اليوم.
ففي 2022، تعرّضت ألبانيا بأسرها لهجوم إلكتروني شامل، جمّد فيه تنظيم "عدالة الوطن" الإيراني الخدمات الحكومية الرقمية وأرشيفات الدولة.
وبعد تحقيق مشترك مع FBI ومايكروسوفت أثبت الأصل الإيراني الحكومي للهجوم، اتخذت ألبانيا قرارًا تاريخيًا: قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران، في سابقة هي الأولى من نوعها عالميًا يقطع فيها دولة علاقاتها مع دولة أخرى بسبب اعتداء إلكتروني.
داخل القاعدة.. عزلة مُختارة وتوتر دائم
لكن العلاقة بين تيرانا وضيوفها المعارضين لم تكن دائمًا سلسة.
ففي 2023، اضطر رئيس الوزراء راما إلى إرسال شرطته بالقوة داخل "أشرف-3" في أعقاب سلسلة هجمات إلكترونية متبادلة بين المجاهدين والجمهورية الإسلامية، انتهكت بموجبها المنظمة الاتفاقية "الإنسانية" مع تيرانا بشنّها هجمات على بنى تحتية للدولة الإيرانية.
ولا تزال أجهزة الكمبيوتر والخوادم التي صادرتها الشرطة حينذاك محجوزة حتى اليوم، فيما تعيش القاعدة في عزلة شبه تامة، ترفض أي تواصل غير مُرخَّص مع الخارج وتُكثّف إجراءات التحقق من الهوية عند مداخلها.
جاءت القاعدة ابتداءً عام 2013 تلبيةً لطلب أمريكي بإيواء هؤلاء المقاتلين.
واليوم، في خضم الحرب الإيرانية الأشمل، باتت "أشرف-3" نقطة توتر إضافية على خريطة صراع لا تبدو نهايته قريبة.