في الخامس والعشرين من مارس/ آذار الجاري، أسدل القضاء الفرنسي الستارة على مسيرة واحد من أبرز الوجوه الإسلامية في أوروبا، طارق رمضان، حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا.
صدر بحق رمضان حكم بالسجن 18 عامًا بتهمة اغتصاب 3 نساء، فضلًا عن حظر أبدي من دخول الأراضي الفرنسية.
الرجل الذي كان يحلم بأن يكون صوت الإسلام في قلب الجمهورية الفرنسية، يخرج منها، اليوم، مدانًا وممنوعًا ومنسيًا، وفق صحيفة "بليك" السويسرية.
صدر الحكم خلال محاكمة جرت في غياب رمضان، وبشكل سري بناءً على طلب الضحايا، بعد 8 سنوات من التحقيق المضني.
وأدان القضاء رمضان في 3 قضايا: اغتصاب بالعنف، وعلى شخص هش بحق "كريستيل" في ليون في أكتوبر 2009، واغتصاب العام 2012 في باريس بحق هيندا عياري، المرأة السلفية السابقة التي تحوّلت إلى ناشطة علمانية، وكانت أول من تقدّم بشكوى في أكتوبر 2017، وجريمة ثالثة ترجع إلى، العام 2016، بحق امرأة أخرى.
واحتجّ رمضان ومحاموه بمرضه، وإصابته بالتصلب المتعدد لتبرير غيابه، وهو ما رفضته المحكمة التي رأت في الغياب تشديدًا للعقوبة.
الحكم الفرنسي لا يأتي من فراغ، إذ سبقه، في سبتمبر/ أيلول 2024، حكم استئناف سويسري بسجنه 3 سنوات منها عام نافذ بتهمة اغتصاب امرأة في فندق بجنيف العام 2008، رغم أن المحكمة الابتدائية كانت قد برّأته. وقد أعلن رمضان نيته الطعن أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
يصف الصحفي ريشار ويرلي في تحليله لصحيفة "بليك" كيف صنع رمضان مجده ثم فقده. ففي مطلع الألفية الثالثة، كان الرجل يحتل شاشات كبرى "التوك شو" الفرنسية، لا سيما برامج الراحل تييري أرديسون التي بنت شعبيتها على المواجهات والصدامات الحادة.
وكان رمضان السلاح المثالي لهذا النوع من البرامج: جريء، مثير للجدل، يجيد اللغة الفرنسية بطلاقة، ويُحكم توظيف خطاب الهوية الإسلامية في مواجهة الجمهورية.
وقد دعته المفوضية الأوروبية، العام 2005، للمشاركة في لجنة "الإسلام والعلمانية"، وكان يُدرّس في جامعة أكسفورد التي علّقت عضويته، العام 2017، حينما وُجّهت إليه أولى الاتهامات.
من مركز التوحيد الإسلامي في سان-دوني شمال باريس، حيث كان يقيم ويُدير جمعية "آفاق"، كان رمضان يُصدر كتبه الأكثر مبيعًا، ويُوجّه مريديه، ويُرتّب أجندته الإعلامية. وقد رحل قسرًا عن هذا المقر، العام 2019، بعد توجيه الاتهامات الأولى إليه.
يُحدد ويرلي فشلين كبيرين في مسار رمضان. الأول، إخفاقه في إقناع القضاء ببراءته مما نُسب إليه. فلم تُجدِ شعاراته عن "الملاحقة المبرمجة" و"حملة التشهير المنظمة" لصرف مسار العدالة.
أما الفشل الثاني فهو عجزه عن إقناع المسلمين الفرنسيين أنفسهم الذين آمنوا بدفاعه عن حقوقهم، بأنه ليس أداةً للإخوان المسلمين في مشروع اختراق الجمهورية. وقد ورد اسمه، مرارًا، في التقرير المفصّل الذي أصدره وزير الداخلية الفرنسي في مايو 2025 تحت عنوان "الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا."
والمفارقة الأشد دلالةً أن وسائل إعلام، لطالما دافعت عنه، التزمت الصمت المطبق تجاه الحكم الفرنسي، كما أنه للمرة الأولى، لم تتبنَّ وسائل الإعلام الإسلامية في فرنسا رواية رمضان في الطعن بمصداقية الضحايا.
وكما وصفه محامو الضحايا في مرافعتهم الختامية، فهو "ليس ضحية مؤامرة أو صراع سياسي، بل المذنب البسيط والعادي باغتصاب 3 نساء كان يُهيمن عليهن."