تواجه القارة العجوز اليوم اختبارًا استراتيجيًا مع تصاعد حرب إيران، خاصة أن موقفها الحذر مع طهران يضع واشنطن أمام خيار إعادة تقييم دعمها لأوكرانيا، وذلك وفقًا لما كشفته صحيفة "تلغراف".
تعود جذور الأزمة إلى ملف إيران النووي، حيث تزامن فشل المفاوضات مع إعادة تفعيل آلية "الارتداد" الأوروبية ضد طهران في أغسطس 2025، وما تلاها من إعادة فرض عقوبات أممية في سبتمبر، وهذا التصعيد أدى إلى موقف إيراني متحفظ تجاه الأوروبيين.
ومع انطلاق الحرب الإيرانية الأمريكية، اعتمدت أوروبا سياسة مزدوجة، تمثلت في رفض المشاركة في العمليات الهجومية، مع نشر أصول بحرية وجوية للدفاع عن الحلفاء في المنطقة، وأكدت بعض الدول صراحةً أن النزاع لا يمثل حربها.
ويتقاطع هذا التحفظ الأوروبي مع حسابات الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا، خاصة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعاد في مناسبات عدة التذكير بأن الدعم الأمريكي يتركز على مصلحة أوروبا، مع الإشارة إلى أن إعادة توزيع الموارد العسكرية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط ممكن في ظل نفاد المخزون الأمريكي، لا سيما صواريخ الاعتراض باتريوت التي استهلكتها دول المنطقة بسرعة منذ بدء الحرب.
وتزيد المخاوف الأوروبية تزامنًا مع اجتماع مجموعة السبع أمس الجمعة، إذ سعى العواصم للحصول على ضمانات أمريكية بشأن استمرار الدعم العسكري والاستخباراتي لأوكرانيا، في ظل احتمال أن يكون أي تحفظ أوروبي في الشرق الأوسط ذريعة لإعادة تقييم واشنطن التزاماتها في أوروبا الشرقية.
واليوم هذا الوضع الحالي يضع أوروبا بين مطرقة مصالحها في الشرق الأوسط وسندان الحاجة لضمان استمرار الدعم الأمريكي لكييف، في وقت يظهر فيه ترابط غير مسبوق بين مسارح الصراع.
في البداية، أكد كامل حواش، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن مسألة تعامل أوروبا مع إيران ترتبط بتشابكات سياسية معقدة لا يمكن فصلها عن المزاج السياسي الأمريكي المتغير، خاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وقال حواش في تصريحات لـ«إرم نيوز»، إن هناك احتمالية لتهرب أوروبا من إيران، وأن واشنطن سترد على بروكسل بالمثل في أوكرانيا، ولكن الموضوع مرتبط أولًا بقيادة الرئيس ترامب للملف.
وأشار إلى أن محاولات واشنطن للحصول على دعم دولي في بعض الملفات لم تحقق النتائج المتوقعة، سواء في التعامل مع إيران أم في مسارات التفاوض، موضحًا أنه عندما أعلن أنه يسعى للتفاوض مع إيران، ردت الأخيرة بالنفي، ما يصعب الثقة بما يقوله الرئيس ترامب.
وأوضح المحلل السياسي، أن العلاقات الأمريكية الروسية أضافت المزيد من التوتر داخل أوروبا، خاصة بعد الحديث عن تخفيف عقوبات على موسكو مقابل مصالح اقتصادية تتعلق بالطاقة، وهو ما أثار استياءً أوروبيًا واسعًا.
وأكد الخبير في الشؤون الأوروبية، أن الالتزام الأمريكي تجاه أوكرانيا لا يزال قائمًا، لكنه مشروط بتوازنات سياسية واقتصادية معقدة، موضحًا أن قضية الموارد الطبيعية داخل أوكرانيا باتت عنصرًا مؤثرًا في حسابات الدعم الغربي.
وشدد على أن الموقف الأوروبي من إيران واضح من حيث المبدأ، إذ يرفض الانخراط العسكري المباشر، مبررًا ذلك باعتبارات قانونية واقتصادية وأمنية، وأن المخاوف الأوروبية من اضطراب الطاقة في حال التصعيد تبقى عاملًا حاسمًا، إلى جانب القلق من الانزلاق نحو صراع أوسع في مضيق هرمز.
واختتم حواش بالتأكيد أن المشهد لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات، وأن مواقف القوى الكبرى لم تستقر بعد، قائلًا إن التطورات القادمة قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين واشنطن وبروكسل في ملفات إيران وأوكرانيا معًا.
من جانبه، قال مصطفى الخفاجي، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي، أن الموقف الأوروبي تجاه التوترات الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية يتسم بدرجة عالية من التردد، وهو تردد يعكس في جوهره حسابات دقيقة تتعلق بالمصالح والأمن والطاقة، وهو ما قد ينعكس على مستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
وأكد الخفاجي بتصريحات لـ"إرم نيوز" أن أوروبا قد تتعرض لضغوط من واشنطن بشأن الجبهة الأوكرانية ضد روسيا، حيث تواجه أوكرانيا صعوبة كبيرة في مواجهة المخاطر الروسية بمفردها دون دعم أمريكي مباشر.
وأشار الخبير الاستراتيجي، إلى أن أوروبا تميل بشكل واضح إلى الحلول الدبلوماسية، ليس فقط لتفادي التصعيد العسكري، ولكن أيضًا لتجنب تداعيات إقليمية قد تنعكس مباشرة على الداخل الأوروبي، وأن أوروبا تفضل الحل الدبلوماسي لتجنب التصعيد في المنطقة.
وأضاف المحلل السياسي، أن أحد أبرز أسباب هذا التوجه هو الخوف من ملف مضيق هرمز يمثل نقطة حساسة، خاصة أن حلف الناتو رفض الانخراط في عمليات تأمينه، رغم ضغوط أمريكية متكررة.
وأوضح مصطفى الخفاجي، أن التوتر لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التصعيد الإقليمي إلى ضغوط كبيرة على الاقتصادات الأوروبية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن روسيا استفادت اقتصاديًا من هذا الوضع، بينما تتحمل أوروبا تكلفة سياسية واقتصادية متزايدة، في ظل اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.