أحدثت الانتخابات البلدية لعام 2026 في مدينة سارسيل الفرنسية، الملقبة بـ"القدس الصغيرة" لاحتضانها أكبر تجمع يهودي في منطقة "إيل دو فرانس"، زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا.
ولم يكن فوز باسي كوناتيه، البالغ من العمر 38 عامًا، وهو من أصول مالية، بدعم من حزب "فرنسا الأبية" اليساري، انتخابيًا فحسب، بل كشف - حسب تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية - عن شبكة معقدة من التحالفات بين اليسار المتطرف وتيارات إسلاموية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.
فالمدينة التي يقال إنها كانت تاريخيًا معقلًا اشتراكيًا، أصبحت تتجه نحو مستقبل مجهول تحت إدارة تحالف إسلاموي-يساري متطرف، بحسب الصحيفة الفرنسية.
من الحياد إلى التحالف مع الإخوان
كوناتيه، "ابن سارسيل" ذو الأصول المالية، الذي أمضى 20 عامًا في القطاع الجمعوي مربيًا ثم مديرًا للمركز الاجتماعي في حي سابلون، يمثل "مفاجأة الانتخابات البلدية في سارسيل".
فهو جزء من قائمة العمد المنحدرين من الهجرة والعمل الجمعوي، الذين وصلت بهم انتخابات 2026 إلى السلطة، بمساعدة فعالة من "فرنسا الأبية".
لكن الأخطر، حسب "لوفيغارو"، أن كوناتيه لم يرفض بين الجولتين دعم "فرنسا الأبية"، التي وضعت شعارها وناشطيها على قائمته. والأكثر إثارة للقلق، أن القائمة "تضم أيضًا أسماء من التيار الإخواني".
من بين هذه الأسماء، طالب في معهد العلوم السياسية (Sciences Po)، هو نجل آريف طاش، رئيس التمثيل الباريسي لـ"حزب السعادة" السياسي التركي الإسلامي-المحافظ المنبثق من تقليد "ميللي غوروش"، الحركة الإسلامية التركية المرتبطة بالإخوان المسلمين.
ركوب موجة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي
توضح "لوفيغارو" أن حزب جان لوك ميلانشون، الذي يغازل ناخبي الأحياء الشعبية منذ سنوات طويلة، "يركب الآن بنشاط، منذ حرب إسرائيل على قطاع غزة في أكتوبر 2023، موجة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي".
كانت الكلمات الأولى لباسي كوناتيه لأنصاره الذين جاؤوا لتهنئته في مبنى البلدية يوم 22 مارس، بعد نتائج الانتخابات: "في عام 2020، انتخبت سارسيل عمدة فرنسيًا من الديانة اليهودية. اليوم، في 2026، تنتخب أول عمدة فرنسي أسود".
وتشير "لوفيغارو" إلى أنها حاولت الحصول على رد من كوناتيه، لكنها لم تتمكن من ذلك.
وكان المغني يكرر في مقابلة مع برنامج "OuiHustle" على يوتيوب، الذي يستضيف العديد من مغني الراب: "أنا ابن سارسيل، لا يمكنني أن أكون عنصريًا أو معاديًا للسامية أو كارهًا للمسلمين".
حادثة إحياء ذكرى تولوز
ألقى هذا الحدث ظلًا بالفعل على العلاقات بين العمدة المنتخب والطائفة اليهودية خلال الحملة. في 11 مارس، لم يتمكن من حضور حفل إحياء ذكرى هجوم تولوز عام 2012، الذي نظمه كنيس سارسيل، وأعلن ذلك في بيان.
ويروي موئيز كالون، رئيس الطائفة اليهودية في سارسيل: "آن إيفا ساندلر، التي فقدت زوجها وطفليها، لم ترغب في ذلك، حتى وإن أوضحت لي أنها لا تحمل شيئًا ضده شخصيًا".
ويضيف: "الملاحظة الصغيرة التي سأوجهها لباسي كوناتيه، هي أنه لم يأتِ لرؤيتنا خلال الحملة".
لكن أحد المسلمين يؤكد أن سارسيل تغيرت كثيرًا منذ 50 عامًا عندما وصل إلى هنا: "في السبعينيات، كانت أفضل من تونس! كنا نحتسي الشاي معًا، مسيحيون ويهود ومسلمون. اليوم، أطفالنا يرفضون دين الآخرين".
لكن الحاخام الأكبر لوران بيروس يفضل مصطلح "انغلاق حمائي" بدلًا من "انغلاق طائفي".
ويقول: "اليوم، من الصعب أن تكون يهوديًا في مدرسة جمهورية، لكن بقوة الانغلاق، نخاطر بألا نعرف بعضنا بعضًا بعد الآن".
أعمال شغب 2014 و"الموت لليهود"
التاريخ الحديث لسارسيل مليء بالصدمات، بدأت الهزات الأولى مع الانتفاضة الثانية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم كان هجوم بقنبلة يدوية من خلية كان تورسي على محل بقالة كوشير في سارسيل عام 2012.
لكن الحدث الأكثر صدمة كانت أعمال الشغب في يوليو 2014، التي اندلعت خلال مظاهرة مؤيدة لفلسطين، دُمرت محلات تجارية، وبالقرب من الكنيس، سُمع هتاف "الموت لليهود!". تسببت هذه الأعمال في مغادرة عدة عائلات إلى إسرائيل، وشرق باريس، وأيضًا إلى كندا أو إنجلترا.
فسارسيل، "القدس الصغيرة"، تقف اليوم على مفترق طرق خطير.
والسؤال الذي يتردد: هل نشهد في سارسيل مختبرًا لما قد تصبح عليه فرنسا في المستقبل، حيث تحل السياسات الهوياتية محل المشاريع، والتحالفات الطائفية محل القيم الجمهورية؟