فرنسا: ليس معقولاً توقع نزع سلاح حزب الله في ظل القصف الإسرائيلي
أفادت مجلة "فورين بوليسي" بأن انخراط الجماعات الكردية الإيرانية في مواجهة عسكرية ضد طهران قد يشكل جبهة استنزاف إضافية تزيد من الضغوط على النظام الإيراني.
ومع ذلك، استبعدت المجلة أن يمثل هذا التحرك عاملاً حاسماً قادراً على تغيير مسار الصراع بشكل جذري، مرجعة ذلك إلى قيود عسكرية وتنظيمية عميقة تواجه هذه الجماعات، فضلاً عن تداخلات إقليمية معقدة تتجاوز قدراتها الميدانية الحالية.
ومع اتساع العمليات العسكرية التي تستهدف البنية النووية والعسكرية الإيرانية ضمن عمليتي "الغضب الملحمي" و"زئير الأسد"، أعلنت جماعات كردية إيرانية معارضة تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان الإيرانية"، في خطوة تهدف إلى استنزاف قوات الأمن الإيرانية والسيطرة على مناطق حدودية وممرات استراتيجية في غربي البلاد، إلى جانب الدفع نحو هدف سياسي أوسع يتمثل في إسقاط النظام وتحقيق شكل من أشكال الحكم الذاتي ضمن إطار ديمقراطي.
لكن، بحسب تحليل المجلة، فإن الجدل الدائر حول هذه الخطوة انشغل إلى حد كبير باعتبارات سياسية، مثل المخاوف من تكرار تجربة "تخلي" الولايات المتحدة عن الأكراد، أو احتمال أن يؤدي تسليحهم إلى إثارة النزعة القومية الفارسية وتعزيز تماسك النظام، في حين أن القضية الأكثر أهمية تكمن في تقييم فعاليتهم العسكرية الفعلية.
يوضح التحليل أن الجماعات الكردية، تاريخياً، لم تنتظر ضمانات استراتيجية طويلة الأمد للدخول في صراعات، بل تحركت وفق حسابات براغماتية مرتبطة بالفرص والظروف الميدانية. ففي الحرب العراقية–الإيرانية خلال الثمانينيات، تحالفت فصائل كردية مع أطراف خارجية، بل وتواجهت أحياناً فيما بينها، وفقاً لمصالح متغيرة.
كما قبلت قوات كردية في سوريا دعماً عسكرياً من الولايات المتحدة وشركائها خلال الحرب ضد تنظيم "داعش"، رغم إدراكها أن هذا الدعم مؤقت وتكتيكي. وفي العراق، حافظت القيادات الكردية على علاقاتها مع واشنطن رغم تقلب مستويات الدعم عبر السنوات.
وبهذا المعنى، لا تُعد الجماعات الكردية الإيرانية فاعلاً سلبياً ينتظر مظلة دولية، بل تعد طرفاً قادراً على اتخاذ قرار القتال إذا توفرت الحوافز المناسبة، بما في ذلك الدعم الخارجي، الذي يسهم في تعزيز قدراتها العسكرية ومنحها قدراً من الشرعية السياسية.
ترى المجلة أن المخاوف من التفاف الإيرانيين حول النظام رداً على تحرك كردي مسلح تستند إلى افتراض مبالغ فيه حول وحدة المجتمع الإيراني. فالواقع يشير إلى انقسامات واضحة بين موالين للنظام، وإصلاحيين، وقوميين، إلى جانب جيل شاب متزايد النزعة المناهضة للنظام.
كما أن المكونات غير الفارسية، التي تمثل نحو نصف السكان، من الأكراد والبلوش والعرب والأذريين، ليست كتلة واحدة، بل تعكس تنوعاً سياسياً واجتماعياً كبيراً. ويشكل الأكراد نحو 10% من السكان، وهم بدورهم غير متجانسين دينياً، إذ يضمّون غالبية سنية إلى جانب أقليات شيعية ومجموعات أخرى، إضافة إلى تنوع لغوي وقبلي.
هذا التعدد، وفق التحليل، يجعل من الصعب افتراض أن تحركاً كردياً سيؤدي تلقائياً إلى تعبئة قومية موحدة خلف النظام.
رغم هذا الاستعداد السياسي، يشدد التحليل على أن العامل الحاسم يبقى في القدرات العسكرية. فالقوات الكردية الإيرانية، التي يُقدّر عددها بين مئات وآلاف المقاتلين، لم تخض حرباً نظامية واسعة منذ عقود، إذ يقتصر نشاطها على عمليات محدودة وهجمات عبر الحدود ضد الحرس الثوري الإيراني.
كما تفتقر هذه القوات إلى المعدات الثقيلة، مثل أنظمة الدفاع الجوي والمدرعات، وتعاني من محدودية في الخبرة بالحروب الحديثة، فضلاً عن ضعف في البنية القيادية والمؤسسات السياسية القادرة على إدارة عمليات معقدة ومستدامة.
ويبرز "حزب الحياة الحرة الكردستاني" (PJAK) كأحد أكثر الفصائل نشاطاً وقدرة، إذ تشير تقديرات إلى أنه نفذ نحو 70% من الهجمات المؤكدة ضد النظام الإيراني بين عامي 2015 و2025. كما يمتلك إمكانية الاستفادة من مقاتلين مرتبطين بحزب العمال الكردستاني في جبال قنديل.
إلا أن هذه القوة تأتي مع كلفة سياسية مرتفعة، نظراً لارتباط الحزب بـ"العمال الكردستاني"، المصنف كمنظمة إرهابية لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؛ ما يثير حساسيات خاصة لدى تركيا.
لا تمثل الجماعات الكردية الإيرانية قوة موحدة، إذ يضم الائتلاف الجديد عدة فصائل تعاني من انقسامات سياسية وأيديولوجية، بين تيارات قومية ويسارية، وبين مجموعات ذات طابع قبلي أو حضري، إضافة إلى ارتباطات متباينة بالأحزاب الكردية في العراق.
كما أن بعض هذه الفصائل يعاني من انقسامات داخلية تؤثر على تماسكه التنظيمي وقدرته على تنفيذ عمليات منسقة، وهو ما يحد من فعاليته كقوة قتالية موحدة.
إقليمياً، قد يؤدي تصاعد دور هذه الجماعات إلى تداعيات أوسع. فتعزيز نفوذ فصيل مثل "حزب الحياة الحرة لكردستان" قد يثير مخاوف تركيا، ويضع ضغوطاً إضافية على علاقاتها مع الولايات المتحدة، بل وقد يزيد من احتمالات التصعيد العسكري عبر الحدود.
وفي العراق، يشكل هذا السيناريو مصدر قلق أمني واقتصادي، خاصة في ظل سوابق استهداف منشآت نفطية وقواعد عسكرية. لذلك، تؤكد كل من حكومة بغداد وسلطات إقليم كردستان رفضهما الانخراط في الصراع، تفادياً لانعكاساته.
في ضوء هذه المعطيات، يرجح التحليل أن تتمكن الجماعات الكردية الإيرانية من لعب دور تكتيكي محدود، يشمل ملء فراغات أمنية في بعض المناطق، وتنفيذ هجمات متفرقة، وتأمين خطوط حدودية، إضافة إلى تقديم معلومات استخباراتية.
غير أن استمرار هذه الأدوار يتطلب دعماً عسكرياً وتنسيقاً مع أطراف أخرى، وهو ما قد يفتح الباب أمام مخاطر تتعلق باستقرار المنطقة وإدارة التحالفات الدولية.
تخلص "فورن بوليسي" إلى أن الجماعات الكردية الإيرانية، رغم استعدادها للقتال، تفتقر حالياً إلى المقومات اللازمة لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى، مثل إسقاط النظام الإيراني أو فرض حكم ذاتي. فغياب الدعم الإقليمي الكافي، إلى جانب الانقسامات الداخلية والقيود العسكرية، يجعل هذه الأهداف بعيدة المنال في المدى المنظور.
وبينما يعكس استعداد هذه الجماعات ديناميكية متجددة في المشهد الإيراني، فإن تأثيرها سيبقى محكوماً بقدراتها المحدودة، وبتوازنات إقليمية معقدة لا تملك السيطرة عليها.