رأى خبراء ومراقبون أن الرفض الروسي لوقف إطلاق النار المؤقت مع أوكرانيا يعكس رؤيتها لمعادلة القوة التي تعتبر الزمن من أبرز عناصرها، وليس مجرد عامل ثانوي في الصراع.
واعتبر الخبراء، في حديثهم لـ"إرم نيوز"، أن روسيا تستمر في العمليات العسكرية بهدف ترسيخ صورة الطرف المسيطر والقريب من الحسم، ومنع أوكرانيا وحلفائها من إعادة التموضع أو التقاط الأنفاس.
وأشار الخبراء إلى أن الاستراتيجية الروسية تقوم على تحويل التفوق الميداني إلى ضغط سياسي متواصل، يهدف إلى إنهاك الشركاء الغربيين وفرض تسوية تُبنى على الوقائع العسكرية القائمة، لا على حلول وسط أو تهدئة مؤقتة.
ولا ينظر الكرملين إلى وقف إطلاق النار المؤقت باعتباره خطوة نحو التهدئة، بل يراه مخاطرة قد تُفقده الزخم الذي راكمه في الميدان العسكري، خاصة أن موسكو لا تنظر إلى الزمن باعتباره عامل انتظار بل أداة ضغط أساسية تُستخدم لترسيخ الوقائع على الأرض قبل أي تسوية سياسية.
وأوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يوافق على هدنة مؤقتة، معتبرًا أن التوقف عن القتال ثم استئنافه مجددًا قد يضع روسيا في موقف غير مضمون.
وأكدت موسكو، عبر مساعدي بوتين، أن أي وقف مؤقت لإطلاق النار لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع، ومنح أوكرانيا فرصة لإعادة التموضع وإعادة التسليح.
وتستند هذه الرؤية إلى تقدم عسكري ملموس، إذ تعلن روسيا سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي الأوكرانية، ما يعزز قناعتها بأنها في موقع يسمح لها بمواصلة الضغط بدل تجميد القتال.
وترى موسكو أن الهدن الجزئية أو المؤقتة، وفق تجارب سابقة، غالبًا ما تتحول إلى فخ سياسي يُستغل لإعادة إشعال الحرب، وفي المقابل، تفضل روسيا إدارة المسار التفاوضي دون وقف شامل لإطلاق النار، مع الإبقاء على الضغط العسكري كورقة أساسية لفرض شروطها.
وبينما تسعى الولايات المتحدة لدفع الأطراف نحو تسوية، يظل الموقف الروسي ثابتًا، لا هدنة بلا حسم، ولا توقف للقتال قبل اتفاق نهائي يعكس ميزان القوى على الأرض.
وقال الدكتور عماد أبو الرب، رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، إن أوكرانيا بدأت تدرك بشكل أوضح أسباب الرفض الروسي لوقف إطلاق النار، حتى وإن كان مؤقتًا، موضحًا أن موسكو تنظر إلى أي تهدئة باعتبارها مخاطرة استراتيجية.
وأكد لـ"إرم نيوز" أن روسيا تسعى إلى ترسيخ صورة الدولة المنتصرة والمتقدمة ميدانيًا، في مقابل تقديم أوكرانيا كطرف منهزم يجب عليه القبول بالشروط الروسية.
وأضاف الدكتور أبو الرب أن موسكو ترى في تجميد القتال ولو لفترة قصيرة فرصة محتملة أمام كييف لإعادة التموضع وإعادة التسليح، وهو ما تحرص روسيا على منعه، سعيًا للحفاظ على تفوقها الميداني ومنع أي كسر لإيقاع العمليات.
وأوضح أن الاستراتيجية الروسية تقوم على الظهور الدائم بمظهر الطرف المسيطر والقريب من الحسم دون منح أوكرانيا أو داعميها فرصة لالتقاط الأنفاس.
ولفت الدكتور أبو الرب إلى أن موسكو تعمل كذلك على إرهاق شركاء أوكرانيا تدريجيًا، ودفعهم نحو القبول بالتفاوض وفق الشروط الروسية، ليس من أجل هدنة، بل للوصول إلى ما تعتبره روسيا إعلانًا للهزيمة.
وبيّن أن هذا التصور يعكس تشخيصًا روسيًا للواقع، لكنه لا يعني بالضرورة أن أوكرانيا أو شركاءها وصلوا إلى مرحلة القبول بالاستسلام، مؤكدًا أن رفض روسيا لأي حلول وسط يبقي مسار الصراع مفتوحًا على مزيد من التعقيد.
وأضاف الدكتور أبو الرب أن الرؤية الروسية تنطلق من اعتبار أن أي توقف مؤقت للقتال سيُفقد موسكو عنصر التفوق النفسي قبل العسكري، ويُضعف خطابها القائم على أنها الطرف الذي يفرض الإيقاع.
وذكر أن الكرملين يتعامل مع عامل الوقت بوصفه جزءًا من المعركة، لا مجرد ظرف محيط بها، إذ تسعى موسكو إلى استثمار كل يوم قتال إضافي في ترسيخ وقائع جديدة تجعل العودة إلى خطوط ما قبل الحرب شبه مستحيلة.
من جانبه، قال الدكتور توفيق حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأمريكية، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يرى وجود نية حقيقية لدى أوروبا أو القيادة الأوكرانية للتوصل إلى تسوية، وهو ما ينعكس بوضوح على الموقف الروسي المتشدد من أي مقترحات تهدئة.
وذكر لـ"إرم نيوز" أن الشروط الروسية تشمل قضايا جوهرية تتعلق بدونباس، إلى جانب رفض انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي "ناتو"، وهي شروط ترفضها كييف وأوروبا بشكل قاطع.
وأوضح الدكتور توفيق حميد أن أي هدنة تقوم على تثبيت الوضع القائم دون حل نهائي ستكون في مصلحة أوكرانيا، لأنها تمنحها فرصة لإعادة تنظيم قواتها والحصول على دعم لوجستي إضافي، ما يسمح بإطالة أمد الحرب بدل إنهائها.
وأشار إلى أن بوتين يرى نفسه في موقع قوة، في ظل استمرار التقدم العسكري الروسي، معتبرًا أن وقف إطلاق النار دون حسم نهائي يمثل خسارة استراتيجية ما دام الحسم العسكري لا يزال ممكنًا.
وأضاف حميد أن موسكو لن تقبل بأي مسار تفاوضي لا يؤدي إلى تنفيذ كامل لشروطها والتوصل إلى حل شامل، مشددًا على أن أي تهدئة مؤقتة قد تعيد إشعال الصراع من جديد، بدل أن تضع حدًا له، ما لم تُبنَ على تسوية نهائية تعالج جذور الأزمة.
ونوه إلى أن الحسابات الروسية تقوم على أن أي تراجع عن زخم العمليات سيُترجم سياسيًا باعتباره تنازلًا غير مبرر، وهو ما لا يتسق مع الصورة التي يسعى بوتين إلى تكريسها داخليًا وخارجيًا.
وأكد حميد أن موسكو ترى أن القبول بهدنة مؤقتة يعني الاعتراف الضمني بأن الصراع وصل إلى حالة توازن، فيما تحرص القيادة الروسية على التأكيد أن ميزان القوة لا يزال يميل لمصلحتها.