لم تعد الوساطة الأمريكية بين موسكو وكييف تتحرك في فضاء إنهاء الحرب، بقدر ما باتت تركز على إدارة مسارها وضبط إيقاعها، في محاولة لاحتواء تداعيات صراع استنزافي بات يثقل كاهل الأطراف كافة.
فبين تفاؤل سياسي معلن، وعقبات ميدانية وسيادية صلبة، تجد واشنطن نفسها أمام أحد أكثر اختبارات الوساطة تعقيدًا منذ نهاية الحرب الباردة، وسط تشابك الحسابات الروسية والأوكرانية والأوروبية.
وقبل أيام، كشفت كييف عن خطة من 20 بندًا جرى التفاوض عليها مع الولايات المتحدة، تتضمن إنشاء منطقة اقتصادية حرة ومنزوعة السلاح في إقليم دونباس، تحت رقابة قوات دولية، إلى جانب تقديم ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا على غرار المادة الخامسة من ميثاق الناتو.
وتهدف الخطة إلى كسر الجمود العسكري عبر مقاربة تجمع بين الترتيبات الأمنية والتنمية الاقتصادية، في محاولة لتقديم بديل عن منطق الحسم العسكري الكامل.
وخلال لقائه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، عبر ترامب عن اعتقاده بأن الاتفاق بات قريبًا، مشيرًا إلى أن ما يقارب 95% من بنوده قد جرى التوافق عليها، مع إقراره بوجود قضيتين شديدتي التعقيد، في مقدمتهما مصير دونباس.
وفي لهجة تصعيدية لافتة، شدد ترامب على أن القرار النهائي بيده، معتبرًا أن الرئيس الأوكراني لا يملك هامشا واسعا لمناورة، في إشارة إلى انتقال واشنطن من دور الوسيط المتوازن إلى لاعب ضاغط يسعى لفرض تسوية واقعية. وفي المقابل، رأت موسكو أن تصريحات ترامب، لا سيما تلك المتعلقة بخسارة أوكرانيا وضرورة التخلي عن أراضٍ، تنسجم مع الرؤية الروسية.
وأفادت تقارير بأن الكرملين يسعى لإدخال تعديلات جوهرية على الخطة الأمريكية، تشمل فرض قيود إضافية على القدرات العسكرية الأوكرانية.
وفي تطور دراماتيكي، أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الأمريكي بمراجعة الموقف الروسي التفاوضي عقب هجوم أوكراني بطائرة مسيرة استهدف أحد مقار إقامته.
وتبرز مسألة الأراضي، وتحديدًا إقليم دونباس، باعتبارها العقبة الأشد تعقيدًا، إذ تشترط موسكو تنازل كييف عن السيطرة عليه لإتمام أي اتفاق، وهو ما يواجه رفضًا سياسيًا وشعبيًا واسعًا داخل أوكرانيا.
وإلى جانب ذلك، تشكل الضمانات الأمنية تحديًا مزدوجًا، في ظل رفض روسي قاطع لأي وجود عسكري غربي على الأراضي الأوكرانية، مقابل مطالبة كييف بضمانات رادعة تحول دون تكرار الهجوم الروسي.
وعلى وقع هذه التحديات، تبدو المفاوضات أقرب إلى اختبار نيات متبادل منها إلى محطة نهائية للسلام، بين الشروط الروسية وما تستطيع أوكرانيا تحمله لا تزال واسعة.
ويبقى نجاح هذه الجهود مرهونًا بقدرة واشنطن على صياغة تسوية تلبي الحد الأدنى من مطالب موسكو وكييف، خاصة في ملفي الأراضي والضمانات الأمنية.
ويرى الخبراء أن الجهود الأمريكية انتقلت من السعي إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى محاولة ضبط إيقاعها، في ظل تعارض جوهري بين مطالب الطرفين وصعوبة الوصول إلى تسوية متوازنة.
وأضافوا، أن واشنطن تواجه اختبارًا معقدًا بين دعم كييف والضغط عليها، وسط تصلب روسي مدعوم بتقدم ميداني تدريجي، ومواقف أوروبية توصف بأنها غير واقعية.
وكشف الخبراء أن مستقبل الوساطة الأمريكية سيظل مرهونا إما بتغير عسكري كبير على الأرض أو بضغط داخلي أوروبي يجبر الجميع على القبول بتسوية أقل طموحًا، ما يضع علامة استفهام حول قدرة أمريكا على إنجاح هذا الدور.
وشكك الدبلوماسي الأمريكي السابق، باتريك ثيروس، في إمكانية التوصل، في الظروف الراهنة، إلى تسوية ترضي روسيا وأوكرانيا معًا، موضحًا أن الحد الأدنى من مطالب كل طرف يظل غير مقبول للطرف الآخر، ما يجعل فرص التوافق ضعيفة حاليًا.
وأشار في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرّر تشريعات عبر مجلس الدوما بضم القرم ودونيتسك ولوغانستيك، معتبرًا أن أي خط فاصل داخل هذه المناطق سيُعد اعترافًا متبادلًا بالاحتلال.
وأكد الدبلوماسي الأمريكي السابق، أن بوتين لا يستطيع القبول بتسوية تقل عن السيطرة الكاملة، لأن أي تنازل سيقوض ادعاء تحرير أراضي روسية.
وأوضح، أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لا يستطيع القبول بأي تنازل إقليمي يمنح روسيا حيازة معترفًا بها دوليًا، مع الإشارة إلى أن القرم قد تكون استثناءً محدودًا يمكن القبول فيه بسيطرة روسية بحكم الأمر الواقع دون اعتراف قانوني.
وتطرق ثيروس إلى 3 سيناريوهات لكسر الجمود، أولها استئناف الولايات المتحدة دعمًا واسعًا لأوكرانيا مع تصعيد الضغوط على موسكو، وثانيها ممارسة ضغوط أمريكية مباشرة على كييف للقبول بخسائر إقليمية، مستبعدًا أن يذهب ترامب إلى حدّ تقليص الجيش الأوكراني لما يحمله من تداعيات أوروبية خطيرة، أما السيناريو الثالث، فيتمثل في تغيير مفاجئ على جبهات القتال.
وقال ثيروس، إن غياب هذه السيناريوهات سيعني استمرار الحرب بوتيرة بطيئة، مع تقدم روسي محدود وكلفة اقتصادية متزايدة على الطرفين حتى نهاية 2026.
من جانبه، قال عضو مجلس الشرق الأوسط للسياسات في واشنطن، ماركو مسعد، إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأت منذ يناير/ كانون الثاني 2025 محاولات متكررة للتقريب بين روسيا وأوكرانيا، لكنها لم تحقق حتى الآن اختراقًا حقيقيًا في مسار التسوية.
واستطرد قائلا في تصريح لـ"إرم نيوز" إن المماطلة الأوكرانية والمناورة الأوروبية لن تستمرا طويلًا، معتبرًا أن الأوروبيين يطرحون مطالب غير منطقية، وكأنهم خرجوا منتصرين من الحرب، رغم أن الوقائع الميدانية تشير إلى العكس.
وأشار إلى أن ما وصفه بـ"العنتريات السياسية" الأوروبية والأوكرانية ستتراجع مع تصاعد الضغوط الداخلية أو تكبد كييف خسائر أكبر بفعل التقدم الروسي، ما سيؤدي إلى فرض أمر واقع يجبر الجميع على تعديل مواقفهم.
وبيّن عضو مجلس الشرق الأوسط للسياسات في واشنطن، أن غياب توافق أوروبي حقيقي ينعكس على مسار التفاوض، في وقت تواصل فيه أوكرانيا التمسك بالنهج ذاته، معتبرًا أن الحسم العسكري الروسي يظل العامل الأكثر تأثيرًا في تغيير المعادلة، مقارنة بضغوط الشارع الأوروبي.
ورأى مسعد أن الولايات المتحدة تحاول إدارة الملف بصورة موضوعية، مع إصرار ترامب على مواصلة المفاوضات تنفيذًا لوعده الانتخابي بإنهاء الحرب، مشددًا على أن التسوية لن تتحقق إلا تحت ضغط أوروبي داخلي حقيقي أو نتيجة تفوق عسكري روسي واضح.