في ظل التحولات الجيوسياسية لعام 2025 وعودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلطة، شهدت أوروبا تحولًا إستراتيجيًّا حاسمًا، حيث تراجع دعم واشنطن لأوكرانيا؛ ما منح القارة فرصة غير مسبوقة لإدارة الحرب، ليس بهدف إنهائها، بل لاستنزاف روسيا ومنح أوروبا "نافذة دفاعية تمتد من 5 إلى 10 سنوات" قبل أن تتمكن موسكو من إعادة بناء قدراتها العسكرية واختبار حلف الناتو مجددًا.
وأبرزت قمة برلين في كانون الأول/ ديسمبر 2025 المفارقة الأوروبية: بينما ترفع العواصم شعار "السلام في أوكرانيا"، فإن مواقفها العملية تعكس "إدارة حرب طويلة الأمد" أكثر من السعي لتسوية.
ورفضت أوروبا خطة السلام الأمريكية المكونة من 28 نقطة أو تحفظت عليها، لكنها لم تقدّم بديلًا عمليًّا قابلًا للتنفيذ. النتيجة: استمرار القتال واستنزاف روسيا، مع تكريس أوروبا لموقف أخلاقي دون تأثير فعلي على الأرض.
أوكرانيا، من جهتها، تبنت شعار "نعم للسلام، لكن…"؛ شروطها التعجيزية تجعل أي تسوية حقيقية شبه مستحيلة، بما في ذلك انسحاب روسي كامل وضمانات أمنية غير مسبوقة، وحتى حلم الانضمام إلى الناتو، وهو أحد أسباب اندلاع الحرب أصلًا.
تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) الصادر في ديسمبر 2025 يوضح أن "روسيا تحتاج من 5 إلى 10 سنوات بعد انتهاء حرب أوكرانيا لإعادة تجهيز قواتها". خلال هذه الفترة، تستطيع أوروبا استثمار الوقت لتعزيز قدراتها الدفاعية، من خلال تكامل الدفاع الجوي، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز اللوجستيات، وتخزين الذخائر، وتطوير المرونة المجتمعية، والاستعداد للتحديات المستقبلية.
هذا التحليل يعكس إستراتيجية أوروبية واضحة: الحرب الحالية ليست مجرد صراع إقليمي، بل أداة لتأجيل مواجهة مباشرة مع موسكو حتى تصبح أوروبا أكثر قوة واستعدادًا.
استجابة للتهديدات الروسية، قفز الإنفاق الدفاعي الأوروبي بشكل كبير. وفق بيانات الناتو، التزم 31 من أصل 32 عضوًا بتحقيق هدف الإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع خطط لرفع هذا الرقم إلى 3.5% للقدرات الدفاعية الأساسية.
بالإضافة إلى ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي عن قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا لدعم احتياجاتها العسكرية والاقتصادية باستخدام الأصول الروسية المجمدة، في خطوة تعكس "استمرار الحرب كأداة إستراتيجية" أكثر من كونها دعمًا إنسانيًّا.
رغم الدعم الأوروبي، يعاني الجيش الأوكراني من خسائر ميدانية ونقص في الجنود وتراجع قدراته الدفاعية على بضع جبهات. ومع ذلك، تستمر أوروبا في خطاب الدعم المفتوح، دون تحديد واضح لنهاية الحرب أو التنازل عن أي أرض. هذا الوضع يعكس "منطق إدارة الحرب" بدل البحث عن تسوية، مع تحميل المدنيين ثمن الإستراتيجية الأوروبية.
وتستخدم أوروبا حرب أوكرانيا لإطالة الوقت وتهيئة نفسها لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، مستغلة ضعف موسكو وانشغالها بالحرب. هذه النافذة تمنح القارة فرصة نادرة لتعزيز أمنها المستقل، لكنها تطرح سؤالاً حادًّا: هل ستنجح أوروبا في استثمار هذه الفترة لصالح أمنها القومي، أو ستظل تدير حربًا مفتوحة على حساب المدنيين واستقرار القارة؟