logo
العالم

"حارس القطب الشمالي".. هل يصلح "الناتو" ما أفسده ترامب؟

قوات دنماركية خلال مناورة عسكرية في غرينلاندالمصدر: رويترز

أطلق حلف شمال الأطلسي "الناتو" مهمة نادرة تحت مسمى "حارس القطب الشمالي" لتعزيز وجوده في المنطقة، في إطار جهود لتضييق هوة الخلافات داخل الحلف، والتي أثارها مسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند.

ويمثل هذا الإجراء، بحسب خبراء، تطورًا عسكريًا وسياسيًا لافتًا يتجاوز مجرد إعادة تموضع روتينية لقوات الحلف، فالمهمة، تأتي في سياق سياسي مشحون، وفي ظل توتر غير مسبوق بين ضفتي الأطلسي على خلفية ملف الجزيرة التابعة للدنمارك، العضو في الحلف.

أخبار ذات علاقة

جندي دنماركي أمام مركز القيادة المشتركة في غرينلاند

"الحارس القطبي".. الناتو يسعى لطمأنة ترامب أكثر من ردع موسكو

البعد العسكري

لا تعد "حارس القطب الشمالي" مهمة قتالية هجومية بالمعنى التقليدي، ولا تأتي كاستجابة لظرف عسكري طارئ، بل هي أقرب إلى إطار تنسيقي يجمع الأنشطة العسكرية المتزايدة لدول الحلف في المنطقة تحت مظلة موحدة.

وأشار البيان الصادر عن القيادة العسكرية للحلف إلى أن المهمة ستنسق الوجود العسكري المتزايد، بما في ذلك تدريبات قائمة مثل المناورات الدنماركية "أركتيك إندورانس" في غرينلاند، ما يعني، بحسب خبراء، أن الحلف لا يبدأ من فراغ، بل يضفي طابعًا مؤسسيًا على أنشطة كانت تجري بشكل منفرد أو ثنائي.

ومن الملاحظ أن الحلف لم يحدد عدد القوات أو أنواع الأصول العسكرية الأخرى المشاركة في المهمة، وهو ما يفسره خبراء بأنه رغبة في إعطاء المهمة نوعًا من السرية والاعتيادية، فأعداد وأرقام العتاد قد تفسر كتصعيد، خصوصًا أن روسيا والصين تتطلعان الى دور ونفوذ في المنطقة.

ومنذ سنوات، يشهد القطب الشمالي تحولات بفعل ذوبان الجليد وفتح ممرات بحرية جديدة، ما يعزز أهميته، ليس فقط تجاريًا، بل كبيئة للتنافس العسكري والتقني، التي أغرت الإدارة الأمريكية بالتمسك بها.

ويوضح الخبراء بأن طبيعة المهام العسكرية التي تنفذ هناك، من قبيل "حارس القطب الشمالي"، تتركز على المراقبة والاستطلاع، وكيفية حماية خطوط الملاحة، وآليات البحث والإنقاذ في بيئة قاسية، وتأمين البنى التحتية، فضلًا عن تعزيز الردع الدفاعي ضد أي تحركات عسكرية مفاجئة.

وفور الكشف عن هذه المهمة، سارعت ألمانيا إلى الإعلان انها ستشارك بأربع طائرات "يوروفايتر"، مع قدرات للتزود بالوقود جوًا، في مؤشر على أن المرحلة الأولى تركز على تعزيز المظلة الجوية والقدرة على الانتشار السريع.

وينوه الخبراء، هنا، إلى أنه في بيئة القطب الشمالي القاسية والصعبة، فإن السيطرة الجوية والقدرة على العمل في مسافات شاسعة تكتسب أهمية خاصة، سواء لأغراض الردع، أو لطمأنة الحلفاء بان الملاحة الجوية والبحرية "تحت السيطرة".

البعد السياسي

تأتي مهمة "حارس القطب الشمالي" في توقيت دقيق، بلغ فيه التوتر بين أوروبا وواشنطن مستوى غير مسبوق، فإصرار ترامب على فكرة ضم غرينلاند أضعف الثقة المتبادلة، وفاقم الشكوك بشأن التحالف الوطيد والمتواصل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بين واشنطن والقارة العجوز.

ورغم أن الولايات المتحدة هي التي تقود "الناتو"، لكن نصوص الحلف تنهض على مبدأ الشراكة بين دول ذات سيادة متساوية.

من هنا، وكما يلاحظ خبراء، فإن إطلاق مهمة تحت قيادة موحدة للناتو، بعد محادثات بين ترامب والأمين العام للحلف مارك روته في منتدى دافوس الأخير، يمكن قراءته كمحاولة لنقل ملف غرينلاند من إطار ثنائي ذي حساسية عالية بين واشنطن وكوبنهاغن، إلى شأن جماعي ضمن أروقة الحلف الذي تأسس قبل أكثر من سبعة عقود.

ووفقًا لهذا المنظور، يلفت الخبراء إلى أن "حارس القطب الشمالي" آلية لاحتواء التوتر عبر دمج الطموحات الأمريكية في إطار جماعي يضمن احترام سيادة الدنمارك، فبدلًا من أن تتحرك واشنطن منفردة لتعزيز وجودها في غرينلاند، وهو ما سينجم عنه تصعيد غير مقبول، يتم ذلك من بوابة الناتو، بما يمنح كوبنهاغن غطاء سياسيًا، ويقلل من إحراج أوروبا التي بدت عاجزة عن رد مضاد وملموس ضد تهديدات ترامب.

ويضيف الخبراء أن المهمة الأطلسية المنتظرة تمثل وسيلة لخفض التصعيد، أي نقل ملف غرينلاند من نزاع سياسي يتعلق بالسيادة إلى تحد أمني وسياسي وعسكري مشترك، وتكريس مفهوم جديد عبر المزيد من الانخراط الأوروبي في الملف، والإيحاء بأنهم ليسوا مجرد تابعين للمواقف الأمريكية. 

أخبار ذات علاقة

تدريبات عسكرية لقوات الناتو

أزمة غرينلاند.. "الحارس القطبي" يختبر قدرة أوروبا على إدارة الأمن الاستراتيجي

روسيا والصين

ولا يمكن إعطاء صورة واضحة عن هذه المهمة الأطلسية دون الأخذ بعين الاعتبار الطموحات الروسية والصينية في المنطقة، فروسيا التي تمتلك أطول ساحل على المحيط المتجمد الشمالي، وكثفت وجودها العسكري هناك، بما في ذلك قواعد جوية، وأنظمة دفاع جوي، وأسطول كاسحات جليد نووية، بحسب تقارير متطابقة، ترى في القطب الشمالي عمقًا استراتيجيًا وممرًا حيويًا لموارد الطاقة.

وألمح الأمين العام للناتو إلى ذلك، حين أشار إلى تزايد اهتمام روسيا بالمنطقة، وهو ما يعكس قلقًا من احتمال تحول المنطقة إلى مسرح تنافس عسكري مفتوح.

من هذه الزاوية، فإن إحدى مهام "حارس القطب الشمالي" هو إظهار أن الحلف لن يترك فراغًا يمكن لروسيا ملؤه، لكن مع الحذر من أن يتطور الأمر إلى مواجهة مباشرة ومعلنة، فتعزيزات الأطلسي قد توفر ذريغة لموسكو لمزيد من العسكرة.

وما سبق ينطبق كذلك على الصين، التي رغم أنها ليست دولة قطبية، لكنها استثمرت في مشاريع بنية تحتية، وأنجزت أبحاثًا ضمن ما تسميه "طريق الحرير القطبي".

ويشير الخبراء إلى أن اهتمام بكين بتلك المنطقة، وسعيها لاستغلال المعادن النادرة التي توجد فيها، يثير قلق الغرب من أن يتحول الحضور الاقتصادي، تدريجيًا، إلى نفوذ سياسي وعسكري.

بهذا المعنى، فإن إدراج الصين في خطاب الناتو يشير إلى أن "حارس القطب الشمالي" تحمل رسالة إلى بكين بأن المنطقة ليست فضاء سائبًا ومفتوحًا أمام التنين الصيني بعيدًا عن رقابة الناتو.

وأيًا كانت الغايات والأهداف، فإن مهمة الناتو الجديدة، وفقًا لخبراء، تعكس إدراكًا أطلسيًا بأن القطب الشمالي لم يعد هامشًا جغرافيًا نائيًا ومهملًا، وأن غرينلاند ذات المساحة الهائلة ليست مجرد أرض جليدية، بل غدت ساحة تنافس بين قوى كبرى.

ويخلص الخبراء إلى القول إن "حارس القطب الشمالي" يعد بمثابة اختبار لقدرة الحلف على إدارة خلافاته وسط الملفات المعقدة، ومن بينها غرينلاند، والسعي لايصال رسائل مزدوجة عبر طمأنة الحلفاء، وتخويف الخصوم.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC