في خطوة غير مسبوقة تكشف عن حجم الأزمة داخل حلف شمال الأطلسي، تتسابق الدول الأوروبية لإطلاق مبادرة "الحارس القطبي" (Arctic Sentry)، وهي مهمة عسكرية مشتركة لـ"الناتو" تهدف لتأمين منطقة القطب الشمالي وجزيرة غرينلاند تحديدًا.
المبادرة التي تقودها ألمانيا وبريطانيا، تأتي كردّ مباشر على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بضم غرينلاند - الإقليم الدنماركي ذي الحكم الذاتي - إلى الولايات المتحدة، حتى لو اقتضى الأمر استخدام القوة العسكرية.
هذه الأزمة تضع أوروبا أمام اختبار وجودي، فهل يمكنها حماية أراضي دولة عضو في الناتو من حليفها الأقوى، وإدارة أمنها الاستراتيجي بشكل مستقل؟
جذور الأزمة.. ترامب يهدد حليفًا في الناتو
تصاعدت التهديدات الأمريكية بشكل دراماتيكي في الأيام الأخيرة، حيث أصر ترامب على أن الولايات المتحدة بحاجة لغرينلاند لأسباب أمنية، مدعيًا أن السفن الروسية والصينية منتشرة حول الجزيرة.
في 9 يناير، ذهب ترامب إلى حد التهديد بأخذ غرينلاند "بالطريقة السهلة أو الصعبة"، قائلًا: "سنفعل شيئًا بخصوص غرينلاند سواء أعجبهم ذلك أم لا"، مضيفًا أنه إذا لم تستحوذ أمريكا على الجزيرة فإن روسيا أو الصين ستفعل.
القلق الأوروبي تفاقم بعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا التي أطاحت بالرئيس نيكولاس مادورو، ما أثار تساؤلات حول إمكانية تكرار السيناريو مع غرينلاند.
رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن ردت بحزم غير معتاد، مطالبة الولايات المتحدة بـ"وقف التهديدات"، وحذرت من أن أي هجوم عسكري أمريكي على حليف في الناتو سيدمر 80 عامًا من الروابط الأمنية عبر الأطلسي، واصفة اللحظة بأنها "مفترق طرق مصيري".
موقف فريدريكسن أثار احتمالًا غريبًا ومشؤومًا: قد تضطر الدنمارك لتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو - البند الخاص بالدفاع المشترك - ضد أقوى عضو في الحلف. هذا السيناريو الكابوسي يهدد بتفكيك الناتو بالكامل.
محاولة أوروبية لنزع فتيل الأزمة
في مواجهة هذا التهديد الوجودي، اقترحت ألمانيا مهمة ناتو مشتركة تحمل اسم "الحارس القطبي"؛ لمراقبة وحماية المصالح الأمنية في المنطقة القطبية.
المبادرة تستمد نموذجها من مهمة "حارس البلطيق" التي أُطلقت في يناير 2025 لحماية البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق.
الهدف الاستراتيجي من المهمة واضح: إضعاف حجة ترامب بأن غرينلاند بحاجة للحماية من التهديدات الروسية والصينية، وأن الولايات المتحدة وحدها القادرة على القيام بذلك. وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الذي يتوجه إلى واشنطن هذا الأسبوع، قال إنه يريد مناقشة "كيف يمكننا تحمل هذه المسؤولية على أفضل وجه في الناتو".
التفاصيل العملية للمهمة
وفقًا لتقارير إعلامية، فإن المهمة المقترحة ستشمل 3 مواقع عمليات أمامية تتناوب عليها كتائب حلف الناتو مجهزة للحرب الشتوية.
طائرات مسيّرة للمراقبة ستغطي المضايق الساحلية والممرات المغطاة بالجليد، بينما ستقوم مجموعات بحرية - من ألمانيا وبريطانيا والنرويج - بدوريات منتظمة قبالة الساحل الغربي لغرينلاند.
ألمانيا عرضت بالفعل مركبات مدرعة ودعمًا لوجستيًا، بينما تدرس لندن إرسال سرب نقل جوي، وباريس عرضت صور الأقمار الصناعية لتتبع حركة السفن في بحر غرينلاند.
ويأمل الحلف بحلول اجتماع وزراء الدفاع في فبراير التوصل لموافقة سياسية على المهمة.
موقف أوروبي موحد.. دعم نادر للدنمارك
في ظل تهديدات ترامب استجابت العواصم الأوروبية بشكل استثنائي، حيث أعربت المتحدثة باسم السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي عن التزام التكتل بالدفاع عن السلامة الإقليمية لأعضائه.
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أكد أن "غرينلاند ومملكة الدنمارك وحدهما" من يقرر مستقبل الإقليم، بينما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية إن "الحدود لا يمكن تغييرها بالقوة".
الأطراف الأكثر وضوحًا في الرفض هم أهل غرينلاند أنفسهم. خمسة أحزاب سياسية منتخبة في برلمان غرينلاند أصدرت بيانًا مشتركًا رفضت فيه تهديدات ترامب، مؤكدة أن مستقبل الجزيرة يجب أن يقرره شعبها.
كما أن استطلاعات الرأي السابقة أظهرت أن الغرينلانديين يرفضون بشكل ساحق السيطرة الأمريكية، بينما تدعم أغلبية قوية الاستقلال عن الدنمارك. اتفاقية 2009 بين غرينلاند والدنمارك اعترفت صراحة بحق الغرينلانديين في الاستقلال إذا اختاروا ذلك، ما يجعل أي محاولة استحواذ أمريكية أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية والأخلاقية.
اختبار لقدرة أوروبا
مبادرة "الحارس القطبي" تمثل أكثر من مجرد مهمة عسكرية؛ فهي اختبار لقدرة أوروبا على إدارة أمنها بشكل مستقل وحماية سيادة أعضائها.
النجاح أو الفشل في هذه المبادرة سيحدد ما إذا كانت أوروبا قادرة على الوقوف كقوة أمنية مستقلة في عصر تتراجع فيه الضمانات الأمريكية التقليدية، أم أنها ستبقى تابعة لواشنطن حتى عندما تهدد واشنطن نفسها أراضي أوروبية.
واللقاءات القادمة في واشنطن واجتماع وزراء دفاع الناتو في فبراير ستكون حاسمة في تحديد مصير ليس فقط غرينلاند، بل مستقبل التحالف الأطلسي برمته.