تخيلوا لحظة أن قطعة جليد ضخمة في أقصى الشمال، تصبح فجأة مركز أزمة دولية تهدد بقاء حلف الناتو ذاته. نعم، نحن نتحدث عن غرينلاند، الجزيرة التي لطالما كانت هادئة وباردة، فجأة صارت ساحة اختبار خطير للقوة والسياسة.
في الأيام الأخيرة، تصاعد الجدل بعد تصريحات الرئيس الأمريكي، الذي ألمح بشكل غريب إلى إمكانية ضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة. الخبر صادم. والتصريح غير مسبوق. ردود أوروبا كانت أسرع مما توقع أحد، إذ بدأت ألمانيا وبريطانيا مناقشة إرسال قوات أوروبية إلى الجزيرة… ليس فقط كخطوة عسكرية، بل كرسالة سياسية واضحة: «لا أحد يعتدي على سيادة دولة عضو في الناتو».
هذه الأزمة تكشف مفارقة خطيرة: تحالف غربي أسس للتصدي لعدو خارجي، يواجه اليوم احتمال تهديد داخلي. كيف ذلك؟ عندما يلوح أحد الأعضاء بالقوة ضد عضو آخر، تصبح قواعد اللعبة كلها على المحك.
الأوروبيون يدركون جيدا أن المواجهة العسكرية التقليدية ليست في صالحهم، فالولايات المتحدة تتفوق بكل شيء: قواعد عسكرية، قوة جوية وبحرية، تكنولوجيا متقدمة، وحتى الأسلحة النووية.
لكن هنا يأتي دور ما يسمونه «القوة الناعمة». أوروبا تعرف أن النفوذ السياسي، والاقتصادي، والدبلوماسي يمكن أن يكون سلاحا أقوى من أي مدفع. نشر قوات محدودة تحت مظلة الناتو ليس مجرد تحرك تكتيكي، هو إعلان أن أوروبا لن تقف مكتوفة الأيدي، وأن أي خطوة أحادية ضد سيادة الدول ستواجه برفض دولي واسع.
غرينلاند لم تعد مجرد جزيرة بعيدة، هي اختبار صعب لمستقبل التحالف الغربي. فهل ينجح الناتو في اجتياز هذه الأزمة؟ أم أن الجليد في الشمال سيكشف هشاشة أكبر تحالفات العالم الحديث؟