عبدي: نواصل جهود التهدئة ووقف إطلاق النار بمساعدة دولية رغم استمرار الهجمات
بين الحكم مدى الحياة والخلافة، أو التغيير وفق سيناريو "جيل زد" في بلدان أخرى، أشعل إعلان فوز الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني بولاية جديدة، وهو الذي تجاوز الثمانين من عمره، فتيل الساحة السياسية، مثيرًا جملة من التكهنات القاتمة بشأن مستقبل البلاد.
وقد خيّم التوتر على المشهد منذ الأيام الأولى التي تلت الانتخابات البرلمانية والرئاسية، إذ احتدم التنافس بين موسيفيني وخصمه اللدود بوبي واين.
وظل مصير واين مجهولاً وسط ملاحقات أمنية مكثفة، حتى كُشف النقاب يوم السبت عن فراره من قبضة قوات الأمن، ما يعمق حالة الانقسام السياسي ويفتح الباب أمام احتمالات التصعيد في الشارع الأوغندي.
ومع خروج أوغندا من انتخابات شابتها أعمال عنف وانقطاع للإنترنت، أصدرت السفارة الأمريكية في كمبالا تنبيهاً أمنياً لمواطنيها، ما أثار التكهنات بشأن الوضع الأمني والسياسي خلال الفترة المقبلة.
ويأتي هذا التحذير، المنشور على موقع السفارة الإلكتروني، وسط توترات مستمرة عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت في 15 يناير/كانون الثاني 2026، والتي قُمعت خلالها الاحتجاجات بعنف.
ويعكس الإنذار الأمريكي حالة عدم الاستقرار التي لا تزال سائدة في أعقاب حملة انتخابية مضطربة. وحُثّ المواطنون الأمريكيون على توخي الحذر الشديد أثناء السفر وتجنب بعض المناطق الحساسة، لا سيما تلك التي قد تتطور فيها التجمعات السياسية إلى اشتباكات.
ويواصل الجيش تسيير دورياته جنبًا إلى جنب مع الشرطة، وهو وجود عسكري معزز يعكس مخاوف السلطات من احتمال حدوث اضطرابات، وفق خبراء أفادوا بأن الانتشار العسكري في الأماكن العامة، بدلًا من أن يكون مطمئنًا، يُؤجج المخاوف من تصاعد العنف في بلد لا تزال فيه الاضطرابات السياسية في ذروتها.
ويُعدّ رد الفعل الأمريكي، المتمثل في هذا التحذير من السفر، إشارة دبلوماسية معتدلة لكنها ذات دلالة. فهو يعكس ابتعاداً عن نظام تنحرف ممارساته عن المعايير الديمقراطية الدولية. إلا أن المصالح الجيوسياسية في المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، تُعقّد أي محاولة لفرض عقوبات أشدّ.
وفي الأثناء لا يبدي موسيفيني رغبة في الانسحاب من المشهد إلا كرئيس للجمهورية مدى الحياة، لكن يبدو أن التهديد الوحيد الذي يواجهه يأتي من ابنه، موهوزي كاينيروغابا، قائد الجيش، المعروف بمنشوراته التحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتأرجح بين المديح الحماسي لوالده والنقد اللاذع لـ"40 عامًا من حكم كبار السن" على الرغم من أنه أظهر نفسه معتدلاً خلال الحملة.
وفي أعقاب هذا الوضع المقلق يُعيد إحياء خوف أعمق من مجرد استمرار نظام فاسد، إلى احتمالات صعود ابنه وقائد جيشه، الذي يُلقّبه الأوغنديون بـ"ترامب أفريقيا".
في البداية، كان موسيفيني ينوي تسليم زمام الأمور لابنه في انتخابات 2026. لكن يُقال إن عدم قدرة موهوزي الواضحة على ضبط نفسه أقنعت الرئيس بالترشح لولاية أخرى. مع ذلك، قد يُجبره بلوغه 81 عامًا على التخلي عن السلطة قبل الموعد المتوقع، ما يفتح الطريق أمام عملية خلافة مُرعبة وغير مؤكدة.
ولا يساور نجله أدنى شك في مصيره: "سأصبح رئيسًا لأوغندا بعد والدي. أولئك الذين يحاربون الحقيقة سيصابون بخيبة أمل كبيرة"، هكذا كتب في ديسمبر/كانون الأول 2024.
ويبلغ موهوزي من العمر 51 عامًا، وهو الابن الأكبر لعائلة تؤمن بحقها في الحكم، وقد قدمه كبار المسؤولين العسكريين على مدى عقد من الزمن باعتباره الوريث الطبيعي لوالده.
وشغل سابقًا منصب قائد القوات الخاصة ثم القوات البرية، وعُيّن في عام 2024 قائدًا للجيش الأوغندي بأكمله. ومنذ ذلك الحين، حرص على ضمان ولائه من خلال ترقيات عديدة، وزيادات في الرواتب، وبناء مستشفيات عسكرية.
وينبع التشبيه بدونالد ترامب أساسًا من استخدامه المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُظهر عدم اكتراثٍ للعواقب الدبلوماسية. ففي السياسة الداخلية، صرّح عام 2025 برغبته في "شنق" الشخصية التاريخية كيزا بيسيجي و"قطع رأس" بوبي واين، المغني السابق الذي تحوّل إلى زعيم معارض بارز.
بعد اختطاف رئيس أمن زعيم المعارضة في أبريل/نيسان الماضي، ادّعى موهوزي أنه يحتجزه "في قبو منزله"، ونشر صورةً لرجلٍ عاري الصدر، منهكٍ، ومتعرق. وكما هو الحال غالبًا، حُذفت الرسالة والصورة بعد ساعاتٍ قليلة، ما جعل مصداقيتهما مجهولة.
في السياسة الخارجية، أعلن هذا الشاب المثير للجدل أخيراً، وبشكل يبدو بلا مبرر، نيته "الاستيلاء على نيروبي"، عاصمة كينيا المجاورة، في غضون أسبوعين. هذه التصريحات، التي لا تتناسب مع مكانته وغالباً ما تُنشر في وقت متأخر من الليل، تُشكل مصدر قلق بالغ لوالده يويري موسيفيني، الذي يُضطر باستمرار إلى بذل جهود دبلوماسية كبيرة مع قادة العالم للتخفيف من آثار تصريحات ابنه.
ومن السمات الأخرى التي يتشاركها مع دونالد ترامب ولعه المعلن بالقادة السلطويين أو اليمينيين المتطرفين. وذكرت تقارير صحفية محلية أنه تقدم لخطبة رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني مقابل 100 بقرة من سلالة أنكولي، ووصف الرئيس الأمريكي بأنه "الرجل الأبيض الوحيد" الذي "احترمه على الإطلاق". لكن الشخص الذي يكنّ له أشد الولاء هو من يسميه "بطلنا الروسي".
فمنذ عام 2022، أيّد بكل حماس غزو الرئيس فلاديمير بوتين لأوكرانيا، بل وتعهد بإرسال جنود إلى موسكو للدفاع عن المدينة ضد "الإمبرياليين" الغربيين.
ويرى بعض الخبراء أن موهوزي، في حال وصوله إلى السلطة، قد يُصبح بوابةً لموسكو إلى أفريقيا الناطقة بالإنجليزية، حيث لا يزال النفوذ الروسي محدوداً.