إعلام إسرائيلي: الجولة الثانية من المحادثات بين إسرائيل ولبنان ستُعقد الخميس في واشنطن
في ظل تصاعد التوترات العالمية، تجد الصين نفسها أمام اختبار جديد في ملف أمن الطاقة، مع تداعيات الحرب في إيران والسياسات الأمريكية التي أعادت تشكيل معادلة الإمدادات العالمية.
وبينما تتأثر بكين على المدى القصير باضطرابات سوق النفط، تشير المعطيات إلى أن هذه الأزمة قد تعزز توجهاً استراتيجياً طويل الأمد نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في الطاقة، وفقاً لما أوردته صحيفة "التلغراف".
ورغم أن التحركات الأمريكية تجاه كل من إيران وفنزويلا تُلحق ضرراً مباشراً بإمدادات الطاقة للصين، التي تستورد نحو 80% من احتياجاتها النفطية، إلا أن خبراء يرون أن بكين ليست الهدف الأساسي.
ونقلت "التلغراف" عن إيريكا داونز، من مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن الصين تمثل "ضرراً جانبياً"، مشيرة إلى أن أي تأثير على بكين قد يكون مجرد نتيجة إضافية للسياسات الأمريكية.
تسريع الاكتفاء الذاتي
في مواجهة هذه التحديات، يواصل الرئيس الصيني شي جين بينغ الدفع بقوة نحو استراتيجية أمن طاقي شاملة، تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج. وتشمل هذه الاستراتيجية جميع مصادر الطاقة، من الفحم والغاز إلى الطاقة النووية والمتجددة.
وخلال الفترة بين 2019 و2024، سجلت الصين نمواً لافتاً في إنتاج الطاقة، حيث ارتفعت الكهرباء المولدة من الرياح بنسبة 146%، ومن الطاقة الشمسية بنسبة 275%، ومن الطاقة النووية بنسبة 32%، إلى جانب زيادات في الفحم والغاز والطاقة الكهرومائية. وتعكس هذه الأرقام، بحسب "التلغراف"، تسارع جهود بكين لبناء ما يشبه "حصناً للطاقة" يحمي اقتصادها من الصدمات الخارجية.
وتؤكد جين ناكانو، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، لصحيفة التلغراف أن أمن الطاقة يمثل أولوية قصوى للقيادة الصينية، مشيرة إلى أن الأزمات الأخيرة "أكدت أن الصين تسير في الاتجاه الصحيح".
تعزيز الإنتاج المحلي
ضمن هذا التوجه، تسعى الصين إلى تعزيز إنتاجها المحلي من النفط والغاز، حيث بدأت منذ عام 2019 حملة مكثفة لاستكشاف واستغلال مواردها. وقد نجحت شركات النفط الحكومية في زيادة احتياطاتها بنسبة تتراوح بين 20% و100%، بينما ارتفع إنتاج النفط في بحر الصين الجنوبي بنحو 50%.
كما سجل إنتاج الغاز الطبيعي مستوى قياسياً العام الماضي، بزيادة بلغت 6% ليصل إلى 262 مليار متر مكعب، مع توقعات بأن تتجاوز الصين إيران قريباً لتصبح ثالث أكبر منتج عالمي بعد الولايات المتحدة وروسيا.
وتعمل بكين أيضاً على تطوير إنتاج الغاز الصخري، الذي نما بمعدل سنوي يقارب 20% منذ 2017، مدعوماً بحوافز ضريبية ودعم حكومي. وتشير التقديرات إلى أن احتياطيات الصين من هذا النوع من الغاز تصل إلى نحو 1100 تريليون قدم مكعب، أي ما يقارب ضعف احتياطيات الولايات المتحدة.
في المقابل، تتجه الصين إلى تقليص اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال، خاصة القادم عبر مضيق هرمز، حيث ألغت مشروع محطة في تيانجين، في خطوة تعكس إعادة تقييم أولوياتها في ظل المخاطر الجيوسياسية.
مزيج طاقي متعدد
رغم التوسع في مصادر الطاقة النظيفة، لا تزال الصين تعتمد على الفحم كركيزة أساسية لضمان استقرار الإمدادات، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها شبكات الكهرباء في استيعاب الإنتاج المتزايد من الطاقة الشمسية والرياح.
وتشير ناكانو إلى أن الفحم "لا يزال الملك"، في ظل صعوبات استخدام الطاقة المتجددة بكفاءة كاملة. كما تسعى بكين إلى تطوير تقنيات تحويل الفحم إلى وقود سائل لتقليل الاعتماد على النفط في الصناعات البتروكيميائية.
بالتوازي، تواصل الصين توسيع برنامجها النووي، حيث تمتلك حالياً 58 مفاعلاً بقدرة إجمالية تبلغ 60 غيغاواط، مع بناء 33 مفاعلًا إضافياً. ورغم التحديات المتعلقة بالمواقع والموارد المائية، تعكس هذه الخطط، بحسب "التلغراف"، إصراراً على تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاستقلالية.
أزمة تعزز التوجه
يرى خبراء أن الحرب في إيران، رغم آثارها السلبية على الاقتصاد الصيني، قد تكون من أكثر الأزمات تأثيرًا في رسم سياسات الطاقة في بكين، لأنها تعزز التوجه القائم بدل أن تغيّره.
ويقول أندرس هوف، من معهد "أكسفورد" لدراسات الطاقة، إن الصين تميل إلى إدخال تغييرات كبيرة في سياساتها دون الإعلان عنها بشكل مباشر، متوقعًا ظهور سياسات جديدة بهدوء خلال الفترة المقبلة.
ورغم كل هذه الجهود، يدرك المسؤولون في بكين أن تحقيق الاكتفاء الكامل يظل هدفاً صعب المنال، في ظل حجم الاقتصاد واعتماده الكبير على التصنيع والتصدير. ومع ذلك، تؤكد ناكانو أن "تحقيق قدر أكبر من المرونة هدف واقعي".
في المحصلة، تكشف الأزمة الحالية عن تحول استراتيجي عميق في سياسة الطاقة الصينية، حيث تسعى بكين إلى بناء منظومة متكاملة تقلل من تعرضها للصدمات الخارجية، حتى وإن ظل الاعتماد الجزئي على الخارج أمرًا لا مفر منه، كما خلصت "التلغراف".