مع تصاعد تداعيات الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، بدأت دول حليفة للولايات المتحدة، من أوروبا إلى آسيا، إعادة تقييم إستراتيجياتها الطاقية بشكل عاجل؛ غير أن هذا التحول المتسارع نحو الطاقة النظيفة يقود هذه الدول إلى واقع جديد.
يتمثل الواقع الجديد في الاعتماد المتزايد على الصين، التي أصبحت بالفعل القوة المهيمنة على تكنولوجيا الطاقة منخفضة الكربون وسلاسل إمداد المعادن الحيوية.
ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومات إلى تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري لتجنب صدمات الأسعار، تجد نفسها مضطرة للاعتماد على المنتجات الصينية الرخيصة، بدءاً من الألواح الشمسية وحتى البطاريات والسيارات الكهربائية؛ ما يمنح بكين نفوذًا عالميًّا متزايدًا في قطاع الطاقة النظيفة، بحسب "بولتيكو".
أدّت الحرب في إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية؛ ما دفع دولًا عدة، من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إلى كوريا الجنوبية والفلبين، إلى تسريع خطط التحول إلى الكهرباء والطاقة المتجددة.
ورغم أن هذا التحول لا يوفر حلولًا فورية لأزمة الأسعار، فإن الحكومات ترى في الطاقة النظيفة المحلية، مثل الطاقة الشمسية والنووية، خيارًا طويل الأجل لحماية اقتصاداتها.
لكن هذه الإستراتيجية تواجه معضلة واضحة؛ فكلما زادت سرعة التحول إلى الطاقة النظيفة، ازداد الاعتماد على الصين.
وتسيطر بكين حاليًّا على معظم تقنيات الطاقة النظيفة والمعادن الأساسية المستخدمة في إنتاجها؛ ما يثير مخاوف من استبدال تبعية الوقود الأحفوري بتبعية جديدة للصين.
وقد عبّر رئيس قطاع الصناعة في الاتحاد الأوروبي، ستيفان سيجورنيه، عن هذه المخاوف عندما تساءل: "كيف يمكننا أن نشرح لمواطنينا أن إزالة الكربون فرصة إذا كانت بطارياتنا مصنوعة في الصين؟"، وذلك خلال طرحه تشريعًا جديدًا لتعزيز إنتاج التقنيات الخضراء محليًّا وتقليل الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة.
وفي المقابل، ورغم هذه المخاوف، تسعى العديد من الدول لتعزيز علاقاتها مع بكين؛ فوزير الاقتصاد الألماني يعتزم زيارة الصين قريبًا، بينما زار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بكين للمرة الرابعة خلال أربع سنوات لتأمين المواد الخام.
كما زار قادة المملكة المتحدة وكندا وفنلندا وأيرلندا الصين خلال الأشهر الأخيرة، في مؤشر واضح على تنامي الاعتماد العالمي على التكنولوجيا الصينية.
تكشف البيانات عن مدى سيطرة الصين على قطاع الطاقة النظيفة عالميًّا. إذ تنتج الصين نحو 80% من الألواح الشمسية في العالم، إضافة إلى النسبة الكبرى من مكوناتها الأساسية مثل الخلايا والرقائق، وفق وكالة الطاقة الدولية.
كما سجلت صادرات الصين من السيارات الكهربائية والهجينة رقمًا قياسيًّا بلغ 349 ألف سيارة في مارس، أي أكثر من ضعف ما كانت عليه في العام السابق.
وتسيطر الصين أيضًا على سوق المعادن الحيوية، حيث تقوم بتكرير نحو 90% من العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في توربينات الرياح والسيارات الكهربائية، إلى جانب حصة كبيرة من الليثيوم والكوبالت المستخدمين في البطاريات.
هذا النفوذ أثار مخاوف متزايدة بشأن الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد؛ ففي العام الماضي، فرضت الصين قيودًا على صادرات بعض العناصر الأرضية النادرة ردًّا على الرسوم الجمركية الأمريكية؛ ما هدد سلاسل التوريد العالمية.
كما فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، بينما فرض الاتحاد الأوروبي ودول آسيوية أخرى قيودًا مماثلة لحماية صناعاتها المحلية.
ومع ذلك، تواجه هذه السياسات تحديًا يتمثل في أن المنتجات الأوروبية غالبًا ما تكون أعلى تكلفة من البدائل الصينية؛ ما قد يبطئ التحوّل نحو الطاقة النظيفة.
تسببت الحرب الإيرانية في أزمة طاقة حادة في العديد من الدول، حيث طبقت الفلبين وبنغلاديش نظام العمل أربعة أيام أسبوعيًّا لتوفير الطاقة، بينما فرضت الهند سقفًا لاستخدام الغاز الطبيعي في الصناعة، وخفضت كمبوديا الضرائب على السلع الصديقة للبيئة.
وفي أوروبا، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن فاتورة واردات الوقود الأحفوري ارتفعت بأكثر من 22 مليار يورو خلال 44 يومًا فقط من بداية النزاع؛ ما عزز الدعوات لتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة.
في المقابل، برزت الصين كمستفيد رئيسي من هذا التحول؛ فقد استفادت باكستان من الألواح الشمسية الصينية لتخفيف أزمة الطاقة، بينما جذبت إسبانيا استثمارات صينية كبيرة في قطاع الطاقة المتجددة؛ كما خفضت كندا تعريفاتها الجمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية مقابل تسهيلات تجارية.
ويرى محللون أن الاعتماد على التكنولوجيا النظيفة الصينية يختلف عن الاعتماد على النفط والغاز، إذ إن شراء الألواح الشمسية يمثل استثمارًا طويل الأجل، في حين يتطلب الوقود الأحفوري تدفقات مستمرة من الإمدادات.
ومع استمرار الحرب في إيران، يتزايد الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تنخرط في صراعات الطاقة التقليدية، بينما تستفيد الصين من التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. وقد لخّص السيناتور الأمريكي برايان شاتز هذا المشهد بقوله: "أمريكا تحارب إيران، والصين هي المنتصرة".
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، الذي تسارعت وتيرته بسبب الحرب الإيرانية، قد يعزز في النهاية موقع الصين كقوة مهيمنة على اقتصاد الطاقة العالمي خلال العقود المقبلة.