لم يكن سقوط جيفري إبستين، الممول الملياردير المحاط بالمال والنفوذ والعلاقات السياسية الرفيعة، نتيجة تحرك قضائي مفاجئ أو صحوة ضمير متأخرة لدى المؤسسات، بل ثمرة عامٍ كامل من العمل الصحفي الاستقصائي المضني قادته صحفية واحدة: جولي ك. براون، مراسلة صحيفة ميامي هيرالد.
براون، التي تحولت إلى رمز عالمي للصحافة الاستقصائية، أعادت فتح إحدى أكثر القضايا التي حاولت النخبة المالية والسياسية في الولايات المتحدة دفنها، وكشفت كيف انحرفت العدالة عن مسارها لصالح رجل محمي بشبكة نفوذ غير مسبوقة، بحسب "الغارديان".
تقع جزيرة بالم بيتش في فلوريدا، تلك البقعة التي وصفها الروائي كارل هياسن بأنها من الأماكن القليلة في أمريكا التي لا يُنظر فيها إلى قيادة سيارة رولز رويس مكشوفة باعتبارها مدعاة للسخرية.
هناك، حيث يقيم الأثرياء والمشاهير وجراحو التجميل، وحيث كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جارًا لإبستين في منتجع "مار-أ-لاغو"، بدت السلطة وكأنها حكرٌ على المال.
في هذا المناخ، تمكّن إبستين لسنوات من الإفلات من المحاسبة، رغم الأدلة التي جمعتها الشرطة المحلية عن اعتداءات جنسية طالت عشرات الفتيات، بعضهن لم يتجاوزن الثالثة عشرة من العمر.
عام 2008، أقرّ إبستين بالذنب في تهمة واحدة تتعلق باستغلال قاصر في الدعارة، بعد تحقيق استمر ثلاث سنوات.
ورغم أن الجرائم المزعومة كانت تودي بأي متهم آخر إلى السجن لعشرين عامًا، حصل إبستين على حكم صادم: 18 شهرًا، قضى منها أقل من 13 شهرًا في جناح خاص، مع السماح له بالخروج يوميًّا للعمل، والنوم وباب زنزانته مفتوح.
الصفقة منحت إبستين ومساعديه حصانة شبه كاملة، وتمت بموافقة المدعي العام الفيدرالي آنذاك ألكسندر أكوستا، الذي سيصبح لاحقًا وزيرًا للعمل في إدارة ترامب.
بحلول نهاية 2016، كانت جولي براون صحفية مخضرمة، تتقاضى أجرًا متواضعًا في مؤسسة صحفية تعاني مثل غيرها من أزمات الصحافة الورقية، أم لطفلين في الجامعة، غارقة في الديون، وتفكر جديًّا في ترك المهنة.
لكن أثناء بحثها عن ملف حول الاتجار بالبشر، كانت نتيجة واحدة تتكرر أمامها: جيفري إبستين.
تساءلت براون: كيف حصل رجل بهذه الاتهامات على صفقة بهذا التساهل؟ ولماذا لم يُحاسَب أحد؟
في الـ28 من نوفمبر 2018، نشرت صحيفة "ميامي هيرالد" سلسلة تحقيقية من ثلاثة أجزاء بعنوان "العدالة المنحرفة" "Perversion of Justice": الجزء الأول باسم صفقة مطبوخة في السر، أما الجزء الثاني، فكان بعنوان استجوابات مهينة لفتيات قاصرات، والجزء الثالث ركز على شبكة المحامين الأقوياء ودورهم في حماية إبستين، ومنهم آلان ديرشوفيتز.
لم تركز براون على علاقات إبستين بالمشاهير بقدر ما ركزت على الضحايا المنسيات: فتيات مشردات، أو من خلفيات أسرية مضطربة، جرى إسكاتهن وتخويفهن وتشويه سمعتهن.
تتبعت براون هويات أكثر من 60 امرأة، وردت أسماؤهن في ملفات الشرطة بأسماء مستعارة مثل "جين دو"، وأقنعتهن، بعد سنوات من الصمت، بسرد قصصهن علنًا.
كشفت التحقيقات أن غيسلين ماكسويل، ابنة قطب الإعلام الراحل روبرت ماكسويل، لم تكن مجرد مساعدة، بل العقل المدبر لنظام تجنيد هرمي، يوهم الفتيات بفرص دراسية أو مهنية مقابل "تدليك" لرجل ثري.
كثيرات من الضحايا وجدن أنفسهن عالقات بين الشعور بالذنب والخوف، خاصة بعدما تم دفع بعضهن لتجنيد فتيات أخريات مقابل المال.
أحدثت التحقيقات صدى هائلًا، إذ انتشرت القصة عالميًّا عبر وسائل التواصل، كما أعادت السلطات الفيدرالية في نيويورك فتح التحقيق.
بينما في يوليو 2019، اعتُقل إبستين بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات، وبعد أيام، استقال ألكسندر أكوستا من منصبه، وفي أغسطس 2019، توفي إبستين داخل زنزانته (وفق الرواية الرسمية: انتحار) في حين تم توقيف غيسلين ماكسويل لاحقًا وإدانتها بجرائم ذات صلة.
رغم التهديدات غير المباشرة، ومحاولات الترهيب، تقول براون إنها لم تشعر يومًا بأنها مستهدفة مباشرة، ربما لأن محيط إبستين استهان بها، واعتبرها "مجرد صحفية من صحيفة محلية تكتب عن قصة قديمة"؛ لكن هذا "الاستخفاف" كان أحد أسباب نجاحها.
أصبحت جولي ك. براون أيقونة للصحافة الاستقصائية، وحصلت على جوائز مرموقة، أبرزها جائزة جورج بولك، وأصدرت كتابها "عدالة منحرفة: قصة جيفري إبستين" - "Perversion of Justice: The Jeffrey Epstein Story".
ورغم كل ما حققته، تصر براون على أن الأبطال الحقيقيين هم الضحايا؛ حيث تقول: "الفضل يعود للنساء اللواتي تجرأن على الكلام بعد سنوات من الخوف والصمت".