بوجه منهك، وعينان تسبحان في ضباب من خيبة الأمل، وصوت يتعثر أحياناً محبوساً بالعاطفة، ظهر فيكتور أوربان في أولى مقابلاته بعد الهزيمة في الانتخابات المجرية على قناة "باتريوتا" المقربة من حزبه.
لكن تحت كل تلك الجراح، كانت هناك رسالة واحدة واضحة موجهة لمن يتربصون بخلافته في الحزب: "لا تزال لديّ الكثير من الأوراق في يدي".
بحسب ما نقلت مجلة لوبوان" الأرقام كانت قاسية، 2.3 مليون صوت لحزبه فيدس مقابل 3.1 مليون لبيتر ماغيار.
وكان هدف أوربان بلوغ 3 ملايين صوت، لكنها "حقبة سياسية أُغلقت"، قال أوربان نفسه، في جملة أطلقها كحكم ينطقه هو قبل أن يفرضه عليه الآخرون.
وبحسب المجلة، فإن الرجل يعرف قواعد الهزيمة، مارسها العام 2002، يعلم أن من يسمّي الكارثة أولاً يتحكم في سرديتها.
لكنه أضاف فوراً بعد الاعتراف بالخسارة: "بعد هذه الهزيمة، أشعر فجأة ليس بأنني أكبر سناً، بل بطريقة ما أصغر. لا يزال لديّ الكثير في داخلي، أشعر بذلك، رغم كل هذا الألم".
مقرّبون من أوربان صريحون أكثر قالوا: بالطبع يريد البقاء في الميدان، ويتخذ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومن عودته للبيت الأبيض بعد هزيمة 2020 نموذجاً يحتذي به.
لهذا بالتحديد أثار إعلان بيتر ماغيار، الأحد، بتعديل دستوري يحدد مدة رئاسة الوزراء بولايتين "بأثر رجعي" غضباً عميقاً في معسكر أوربان.
ولو نُفّذ هذا القرار، فإن أوربان بأربع ولايات متتالية سيكون محكوماً بالاعتزال إلى الأبد.
وكانت بقية المقابلة درساً في الاعتراف المدروس، حلّل أوربان سبب خسارته: رسالتان تصادمتان - الاستمرارية على طريق حذّر مقابل التغيير ووعد بحياة أفضل.
فرسالة بيتر ماغيار كانت أقوى، إذ تساءل بصوت عالٍ عن تلك الشريحة الشبابية من الناخبين للمرة الأولى الذين رفعوا المشاركة إلى ما يقارب 80% وصوتوا ضده، قائلاً: "لم أصل إليهم، أو لم يهتموا بما كنت أقوله، أو قلته لهم بشكل سيئ".
من 16 عاماً في السلطة، اختار أوربان ندماً واحداً فقط: مشروع محطة "باكس 2" النووية المبنية مع الروس، والتي أدت تأخيراتها المتراكمة إلى حرمان المجر من طاقة رخيصة.
اعتراف مُختار بعناية: تقني، لا جدال فيه، ولا يُحمّل أحداً مسؤولية بعينها.
ما لم يُذكره هو التبعية النفطية والغازية لموسكو التي حافظ عليها في ذروة الحرب في أوكرانيا، بينما لم تتوقف أوروبا عن عرض بدائل.
كما لم يذكر "المليارات من الأموال الأوروبية المجمدة بسبب انتهاكات سيادة القانون والتي كان يمكن توظيفها في التحرر الطاقوي للمجر".
في لحظة لافتة من المقابلة، سألته الصحفية عما إذا كان الإثراء الفاحش لعدد ضيق من الرجال في ظل حكمه قد أثّر في صناديق الاقتراع.
بكل تأكيد. طبعاً"، الإجابة كانت موجزة وتكاد تكون جريئة، ثم ميّز أوربان بين الفساد - "عدم احترام القواعد وعدم دفع الضرائب" - والرفاهية التي صنّفها في خانة "أسلوب الحياة".
كما ادّعى أنه كان دائماً يطالب بالاحترام الصارم للقانون، ودعم سلطات الرقابة، وكان درعاً ضد الفساد.
لكن الواقع الموثق مغاير تماماً، المفوضية الأوروبية وثّقت سنوات من التقارير السنوية حول سيادة القانون: في المجر، التحقيقات إما لا تبدأ، أو تبدأ ثم تنتهي. مثل تلك التي استهدفت صهره إيشتفان تيبورتش المتزوج من ابنته راهيل.
مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي "أولاف" رصد مخالفات في إسناد صفقات أوروبية لشركات مرتبطة به. الملف رُفع للسلطات المجرية، ويسفر عنه شيء.
غاب أيضاً اسم آخر وهو لورينتس ميساروش، صديق طفولة أوربان، السباك السابق من قرية فيلتشوت، الذي أصبح خلال 15 عاماً أحد أثرى رجال المجر بحقيبة لا تصدق من الإعلام، والفنادق، والأراضي الزراعية، وشركات البناء المُشبعة بالعقود العامة.
لا أحد في "باتريوتا" أبدى فضولاً للحديث عنه، رغم أن الجميع في المجر يعرف القصة.
وجاء الجزء الأكثر إستراتيجية من المقابلة حين خاطب أوربان مباشرة الـ2.3 مليون ناخب لفيدس، حيث طمأنهم: "أحسنتم التصويت".
وقال إن التاريخ سيحكم على قرار الـ3.1 مليون الآخرين بمقياس نتائج حكومة ماجيار.
كما طالبهم بـ"تحمل الهزيمة بكرامة"، والدفاع عن "المكتسبات الوطنية" كخفض أسعار الطاقة ودعم الأسر، إذا حاولت الحكومة الجديدة المساس بها.
وتقول المجلة هذا ليس خطاباً مهزوماً، بل خريطة طريق معارضة، فبجمل قليلة، تحوّل أوربان من رئيس وزراء إلى زعيم مقاومة.
قالها دون أن يقولها، بدقة رجل تصوّر دائماً السلطة دائرة لا خطَ مستقيماً: "إذا وقعت محاولات تدمير - ونصلّي ألا يحدث ذلك - سندافع عنها".
أعلن أوربان عن استدعاء المجلس الوطني لحزب فيدس في 28 أبريل، تمهيداً لمؤتمر الحزب قبل نهاية يونيو.
كما أعلن إعادة هيكلة الكتلة البرلمانية وجولة في الـ106دوائر الانتخابية.
وبعد هزيمته أيضاً العام 2002، نظّم بعثه من خلال "الدوائر المدنية"، حيث يعلم أن في الأنقاض طاقة وأفكاراً تنبع من الميدان، فالرجل يراهن على أن التاريخ يعيد نفسه ترامب فعلها. وهو يريد أن يفعلها أيضاً، وفق المجلة.