لاريجاني: تسمية مرشد جديد لإيران أصابت الولايات المتحدة وإسرائيل باليأس
تجد أوكرانيا اليوم نفسها أمام معادلة سياسية وأمنية معقدة في ظل استمرار الحرب مع روسيا، بالتوازي مع غموض أوروبي متزايد بشأن موعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن هناك مؤشرات داخل الاتحاد إلى أن هذه الخطوة قد تستغرق سنوات طويلة.
ويعاني مسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي من عقبات سياسية ومؤسساتية واضحة، بعد تراجع فكرة "العضوية المعكوسة" داخل بروكسل التي كانت تقضي بانضمام أوكرانيا بشكل رسمي لكن بصلاحيات ناقصة، مثل حرمانها من حق التصويت أو الدعم الزراعي إلى حين استكمال الإصلاحات المطلوبة.
وأعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن انضمام أوكرانيا بحلول عام 2027 غير واقعي في ظل الأوضاع الحالية، مشددًا على ضرورة استيفاء معايير حقوق الإنسان والإصلاحات المؤسسية قبل المضي في أي خطوة رسمية نحو العضوية.
وفي الوقت نفسه، تواصل المجر استخدام حق الفيتو لعرقلة فتح مجموعات التفاوض الست الخاصة بالانضمام، وهو ما أبقى المسار الأوروبي مجمداً رغم استيفاء كييف لبعض الشروط التقنية.
في المقابل، تحاول القيادة الأوكرانية ربط ملف العضوية الأوروبية بضمانات أمنية أوسع، خاصة وأن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أكد أن بلاده تحتاج إلى تاريخ واضح ومحدد للانضمام، معتبرًا أن تحديد موعد مثل عامي 2027 أو 2028 يمكن أن يشكل بحد ذاته ضمانة سياسية وأمنية لبلاده في مواجهة روسيا.
ويزداد المشهد تعقيداً مع الضغوط الدولية المرتبطة بملف التسوية مع موسكو، بسبب أن خطة السلام الأمريكية تتضمن تنازلات إقليمية كبيرة من جانب كييف، من بينها الاعتراف بسيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم وأجزاء واسعة من دونيتسك ولوغانسك.
وتشمل هذه الضمانات التزاماً أوروبياً واضحاً بموعد الانضمام، إضافة إلى ترتيبات أمنية غربية تشبه المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، بما يضمن رداً عسكرياً جماعياً في حال تعرض أوكرانيا لأي هجوم مستقبلي.
ورغم هذه الطروحات، يبقى الرأي العام الأوكراني أحد أكبر العوائق أمام أي تسوية إقليمية، إذ أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن أكثر من نصف الأوكرانيين يرفضون التنازل عن أراضي تسيطر عليها كييف لصالح روسيا، حتى مقابل ضمانات أمنية غربية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو أوكرانيا عالقة بين مسارين صعبين، انتظار عضوية أوروبية قد تتأخر لسنوات، أو الدخول في تسوية سياسية مؤلمة مع موسكو.
في البداية، قال آصف ملحم، مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث والدراسات في روسيا، إن الربط بين مسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وبين احتمالات تقديمها تنازلات إقليمية لروسيا ليس دقيقًا بالضرورة.
وفي تصريح لـ"إرم نيوز"، أكد ملحم، أن موسكو أعلنت مرارًا أن عضوية كييف في الاتحاد الأوروبي لا تشكل تهديداً مباشراً لها، بخلاف مسألة الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي التي تنظر إليها روسيا باعتبارها قضية أمن قومي.
وأشار المحلل السياسي، إلى أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عملية معقدة وطويلة، وقد تستغرق سنوات طويلة أو حتى عقود، خاصة وأن هناك تجارب لدول أوروبية لا تزال في مسار الانتظار منذ سنوات رغم استقرارها السياسي.
ولفت مدير مركز "جي إس إم" للأبحاث والدراسات في روسيا، إلى أن معايير الانضمام للاتحاد الأوروبي شديدة التفصيل، إذ تشمل عشرات الآلاف من الصفحات من القوانين والتشريعات والإصلاحات المطلوبة، وهو ما يجعل استيفاء هذه الشروط في ظل الحرب أمرًا بالغ الصعوبة.
وأضاف أن ملف التنازلات الإقليمية أصبح جزءًا من أدوات الضغط في المعادلة التفاوضية بين موسكو وكييف، مشيرًا إلى أن التطورات الدولية، ومنها التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، قد تمنح روسيا مساحة أوسع للمناورة السياسية في ظل انشغال واشنطن بملفات أخرى.
ويرى آصف ملحم، أن ارتفاع أسعار الطاقة واتجاه بعض الأسواق الآسيوية نحو النفط والغاز الروسيين يمنح موسكو موارد إضافية تعزز قدرتها على مواصلة عملياتها العسكرية.
وأكد ملحم أن أوكرانيا تسعى في المقابل للحصول على ضمانات أمنية قوية مقابل أي تسوية محتملة، لكن هذه الضمانات يجب أن تأتي أساسًا من الولايات المتحدة، ويظل الدور الأوروبي محدودًا نسبيًا في هذا الجانب.
من جانبه، الباحث الاستراتيجي هشام معتضد، أكد أن مسألة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي تحولت تدريجيًا من مشروع اندماج سياسي إلى ورقة ضغط جيوسياسي في الصراع بين روسيا والغرب.
وأوضح في تصريح لـ"إرم نيوز" أن التأجيل الأوروبي المتكرر لملف العضوية خلق فجوة واضحة بين الطموح الأوكراني للاندماج في المؤسسات الغربية وبين الواقع الأمني الذي فرضته الحرب.
وأشار الباحث الاستراتيجي إلى أن هذا الوضع يضع القيادة الأوكرانية أمام معادلة صعبة، إما الاستمرار في حرب استنزاف طويلة بانتظار عضوية أوروبية غير محددة الأفق، أو البحث عن تسوية مرحلية مع موسكو قد تتضمن إعادة رسم خطوط السيطرة مقابل ضمانات أمنية واقتصادية ملموسة من الغرب.
وأضاف هشام معتضد، أن العواصم الأوروبية تدرك أن توسيع الاتحاد في ظل حرب نشطة يمثل مخاطرة مؤسساتية وأمنية كبيرة، لذلك تتجه بروكسل إلى ما يمكن وصفه بنهج "الإدماج التدريجي"، الذي يمنح أوكرانيا مزايا اقتصادية وسياسية متزايدة دون منحها العضوية الكاملة في المدى القريب، وهذا النهج قد يزيد الضغوط على كييف مع مرور الوقت.
ويرى معتضد أن موسكو تراهن على عامل الزمن، معتبرة أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى إرهاق اقتصادي وعسكري لدى الغرب، وهو قد يدفع في النهاية نحو تسوية تعترف ببعض الوقائع الميدانية.
وأكد هشام معتضد، أن أي تنازل إقليمي محتمل من جانب أوكرانيا لن يكون ممكنًا من دون منظومة ضمانات أمنية قوية، قد تشمل ترتيبات ردع عسكرية غربية طويلة الأمد، إضافة إلى برامج دعم عسكري واقتصادي واسعة وإعادة إعمار شاملة.
وقال إن السيناريو الأكثر واقعية قد يتمثل في تسوية متعددة المستويات تشمل وقف إطلاق نار طويل الأمد، وترتيبات أمنية غربية واندماج اقتصادي متسارع مع أوروبا، مقابل تجميد النزاع الإقليمي ضمن مسار تفاوضي طويل، بحيث تحافظ أوكرانيا على ارتباطها بالمنظومة الغربية حتى قبل اكتمال عضويتها الرسمية.