وصل مقترح إيراني رسمي إلى البيت الأبيض عبر الوساطة الباكستانية، يضع إطاراً من ثلاث مراحل لإنهاء النزاع، في تطور يُعدّ الأبرز منذ بدء الحرب نهاية فبراير/ شباط الماضي، والتي انتهت بعد 5 أسابيع.
لكن الطرفين، رغم جولات التفاوض في إسلام آباد ورسائل الوسطاء، يبقيان على موقفيهما المتعارضين جذرياً، وسط مؤشرات واضحة على استمرار الجمود الدبلوماسي رغم التنازلات المحدودة.
ويأتي المقترح الإيراني، وفق ما نقل موقع "أكسيوس" في ثلاث مراحل متتالية، وهي إنهاء الحرب نهائياً، ثم فتح مضيق هرمز فوراً أمام الملاحة الدولية، وأخيراً تأجيل الملف النووي مع خفض نسبة تخصيب اليورانيوم من 60% إلى 20%.
ومقابل ذلك، تطالب طهران برفع كامل للعقوبات الأمريكية، ودفع تعويضات مالية عن الأضرار الناجمة عن الحرب، بالإضافة إلى الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأمريكية منذ العام 1979.
ووفق تسريبات المقترحات والرد الأمريكي، فقد شهدت أولويات التفاوض تعديلاً ملحوظاً من جانب واشنطن، حيث تراجع ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية نسبياً، ليتركز الاهتمام شبه الكامل على البرنامج النووي.
غير أن الإدارة الأمريكية لا تزال تتمسك بموقف حازم يُلخصه الرئيس دونالد ترامب بـ"اليورانيوم أولاً"، كما يرفض البيت الأبيض فصل الملفات، ويصر على ربط إعادة فتح مضيق هرمز ورفع العقوبات بالتقدم النووي، مؤكداً منع إيران بشكل مطلق من امتلاك سلاح نووي.
وتظل مرونة واشنطن محدودة، فإن كان هناك استعداد محتمل لتمديد الهدنة مؤقتاً، لكن في المقابل تبدي رفضاً قاطعاً لتمديد مفتوح طالما استمر التخصيب.
أما نقطة الخلاف المحورية فتتمثل في تسلسل الخطوات، فبينما تقترح إيران البدء بفتح هرمز ثم الانتقال إلى الملف النووي، تُصر الولايات المتحدة على حل النووي أولاً قبل أي تنازلات أخرى.
كان إلغاء ترامب، يوم السبت، رحلة اثنين من كبار مفاوضيه، ستيف ويتكوف المبعوث الخاص وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، قبل دقائق من موعد مغادرتهما، أحدث مؤشر على عمق الخلاف.
وقال ترامب في بيان صريح: "أخبرتُ فريقي منذ قليل، وكانوا يستعدون للمغادرة، وقلتُ لهم: كلا، لن تقوموا برحلة طيران مدتها 18 ساعة. لدينا كل الأوراق الرابحة. بإمكانهم الاتصال بنا متى شاؤوا".
وعاد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى إسلام آباد يوم الأحد بعد مغادرة مؤقتة، في محاولة لإبقاء قنوات الوساطة الباكستانية مفتوحة.
وكانت باكستان قد توسطت بين الطرفين لإنهاء حرب استمرت أكثر من شهر في الشرق الأوسط، وسط توترات مستمرة في مضيق هرمز حيث يتبادل الجانبان مصادرة السفن.
يُعد البرنامج النووي الإيراني محور النزاع الأساسي، وتمتلك إيران حالياً، وفق تقارير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، نحو 11 طناً من اليورانيوم المخصب بمستويات متفاوتة. ويكفي هذا المخزون، بعد تخصيب إضافي، لصنع ما يصل إلى 100 سلاح نووي، أي أكثر من الترسانة الإسرائيلية المقدرة.
ووفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فقد تراكمت معظم هذه الكمية في السنوات التي تلت انسحاب ترامب من اتفاق 2015، خطة العمل الشاملة المشتركة، في عهد إدارة باراك أوباما الذي وصفه بـ"الاتفاق الكارثي".
ويُركز الاهتمام حالياً على نحو نصف طن مخصب بنسبة 60%، يُعتقد أنه مدفون في أنفاق قصفها الجيش الأمريكي في يونيو/ حزيران الماضي. ومع ذلك، يصف ترامب بقايا البرنامج بـ"الغبار النووي"، محاولاً التقليل من قدرته، فيما يؤكد الإيرانيون حقهم في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
يُظهر ترامب نفسه سيد "الدبلوماسية القسرية"، مستخدماً الضغط العسكري والحصار البحري لإجبار طهران على الاستسلام السريع، لكنه بحسب تقرير لصحيفة "التايمز" البريطانية يواجه دولة تفتخر بـ "استراتيجية التأخير".
وتنقل الصحيفة البريطانية عن روبرت مالي، الذي شارك في مفاوضات 2015، أن "ترامب مندفع ومتقلب المزاج، فيما القيادة الإيرانية عنيدة"، مضيفاً أنه بينما يطالب الرئيس الأمريكي بنتائج فورية، تتبنى طهران "استراتيجية طويلة الأمد".
وفي مقابلة مع "فوكس نيوز" يوم الأحد، أكد ترامب أن إيران "تقدم الكثير، لكنه ليس كافياً"، مشيراً إلى استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية للضغط على منشآتها النفطية.
وفق "نيويورك تايمز"، يغرق الطرفان حالياً في حالة من الترقب المحرج، فالحرب متوقفة مؤقتاً، لكن التوترات مستمرة في هرمز والخليج، وفيما يأمل الإيرانيون في الصمود الاقتصادي أطول من ترامب، يعول الأخير على الحصار لإجبار طهران على التنازل.
ويقول المحلل الإيراني ساسان كريمي: "ما يحدث مشابه لنهاية حرب الـ12 يوماً، أي إنهاء الصراع دون ديمومة.
ويرفض المسؤولون الإيرانيون أي مفاوضات مباشرة قبل رفع الحصار البحري، أما ترامب فيواصل الضغط، معتبراً أن أي اتفاق جديد "سيكون أفضل بكثير" من اتفاق أوباما، الذي يراه "طريقاً مضموناً نحو سلاح نووي".
ورغم الجهود الباكستانية والعُمانية، تبقى احتمالات الاختراق محدودة في المدى القريب، فإن كان فتح هرمز يعني عودة تصدير النفط الإيراني، إلا أنه يحرم واشنطن من نفوذها الرئيسي. أما حل الملف النووي فيتطلب تنازلات إيرانية كبيرة عن مخزونها الهائل من اليورانيوم المخصب.