العالم

3 ساعات في إسلام آباد.. جولة عراقجي كاختبار لمناورة إيرانية مأزومة

عباس عراقجي في باكستانالمصدر: رويترز

وضعت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد تحرّك طهران داخل مساحة أضيق من الصورة التي سعى النظام الإيراني إلى تسويقها، فالمسار الذي بدأ بحديث عن إرسال ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان انتهى بتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هذا الخيار، ثم بمغادرة عراقجي نحو موسكو بحثًا عن دعم سياسي أمام السقف الأمريكي. 

وجاء ذلك بعد جولة أولى في العاصمة الباكستانية انتهت من دون اتفاق، ما جعل حضور الوزير الإيراني امتدادًا لمسار استهلك زخمه سريعًا، وبقي محصورًا في قناة رسائل تديرها باكستان وسط خلافات ثابتة حول مضيق هرمز، والملف النووي، وشروط العودة إلى التفاوض.

بينما وضعت باكستان نفسها في موقع قناة اتصال بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين وحساسية ملف هرمز بالنسبة إلى أمن الملاحة والطاقة، بقي دورها محصورًا في نقل الرسائل واحتواء التصعيد السياسي، لأن الوساطة احتاجت إلى قرارين واضحين من واشنطن وطهران كي تنتقل من تبادل المواقف إلى صيغة تفاوضية قابلة للتثبيت.

وجاءت زيارة عراقجي داخل هذا الهامش المحدود، حاملة مقاربة إيرانية ركزت على هرمز والضغط الأمريكي، ومنحت طهران مساحة لتمديد القناة من دون تقديم صيغة قابلة للحسم، في وقت دفعت واشنطن باتجاه إبقاء التفاوض مربوطًا بالملف النووي وأمن الملاحة.

من أمن الملاحة إلى ابتزاز التفاوض

في حين حضر مضيق هرمز في محطة مسقط كملف مباشر داخل حركة عراقجي، بحث الوزير الإيراني في عُمان أمن المضيق، وطرح صيغة أمنية إقليمية تستبعد الحضور الخارجي، وفق ما نقلته "رويترز".

بالمقابل، شدد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على حلول عملية تضمن حرية الملاحة على نحو دائم. وجاء هذا الطرح في وقت ارتبط فيه اسم المضيق بالضغط على الملاحة وسوق الطاقة وبالقيود الأمريكية المفروضة على الموانئ الإيرانية، لذلك دفعت طهران ملف العبور البحري إلى واجهة النقاش وربطت أمن الملاحة بترتيبات سياسية أوسع تمنحها موقعًا داخل أي صيغة لاحقة، في وقت تعاملت واشنطن مع أمن الخليج والبرنامج النووي ضمن سقف تفاوضي واحد.

أعطت التسريبات المتعلقة بالمقترح الإيراني معنى أوضح لحركة عراقجي بين إسلام آباد ومسقط وموسكو، فقد تحدثت تقارير عن صيغة تبدأ بإعادة فتح مضيق هرمز وترتيبات متصلة بإنهاء الأعمال القتالية، وتدفع المحادثات النووية إلى مرحلة لاحقة.

وهذا الترتيب يضع الملف البحري والعسكري في مقدمة التفاوض ويترك الملف النووي خارج الاستحقاق المباشر، لذلك بدا المقترح محاولة لإعادة ترتيب جدول التفاوض وفق أولوية تخفيف الضغط القائم على طهران، في وقت أبقت واشنطن النووي وأمن الملاحة داخل أي مسار جديد.

السقف الأمريكي

وقد تعاملت واشنطن مع التحرك الإيراني من سقف حدده ترامب في أكثر من تصريح، يقوم على التفاوض وفق شروط أمريكية تتقدمها مسألة منع إيران من امتلاك سلاح نووي وضمان أمن الملاحة في المنطقة.

لذلك لم يمنح التراجع عن إرسال ويتكوف وكوشنر إلى إسلام آباد القناة الباكستانية فرصة التحول إلى مسار تفاوضي مباشر ودائم، وجاءت زيارة عراقجي داخل هذا الانسداد، حاملة مقترحًا يضع هرمز وتخفيف الضغط البحري في قائمة أولويات التفاوض، مع تمسك أمريكي بإدخال الملف النووي في صلب أي ترتيب لاحق.

وصل عراقجي إلى روسيا صباح اليوم الاثنين بعد محطتي إسلام آباد ومسقط، مع ترتيبات للقاء فلاديمير بوتين.

وجاءت هذه المحطة بعد بقاء القناة الباكستانية في مستوى تبادل الرسائل، لذلك حملت زيارة موسكو وظيفة سياسية مباشرة داخل الجولة، فهي منحت طهران منصة لعرض موقفها أمام حليف يملك ثقلًا في مجلس الأمن وعلاقة متقدمة معها، من دون أن تغيّر طبيعة الخلاف الذي عطّل الوساطة، إذ بقيت العقدة مرتبطة بترتيب ملفات هرمز والنووي وشروط تخفيف الضغط الأمريكي.

هذا، وتضع الساعات القليلة التي أحاطت بزيارة إسلام آباد المشهد في حجمه الحقيقي، فقد جاءت الزيارة داخل مسار سبقها في باكستان ثم امتد إلى عُمان وروسيا، ومنحت النظام الإيراني حضورًا دبلوماسيًا محدود الكلفة من غير أن تمنحه اختراقًا سياسيًا. 

أخبار ذات صلة

لوحة عن جولة المفاوضات الأولى في إسلام آباد

3 ساعات في إسلام آباد.. عودة عراقجي تكشف استمرار المحادثات

والمقترح الذي دفع به إلى الواجهة قدّم هرمز على النووي، وفتح مساحة حركة قصيرة أمام طهران، ثم أعاد الوسطاء إلى الخلاف نفسه حول أمن الملاحة والبرنامج النووي وشروط العودة إلى التفاوض، وبذلك تحولت زيارة عراقجي إلى اختبار لمناورة إيرانية كثيفة الحركة ومحدودة النتائج.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC