يخوض الملك تشارلز الثالث زيارة ممتدة من 27 إلى 30 أبريل، توصف بأنها من أكثر الزيارات حساسية في مسيرته، حيث يلتقي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ظل أجواء سياسية وأمنية معقدة، وتحت ضغط ملفات حساسة مثل أزمة العلاقات العائلية مع دوق ودوقة ساسكس وتداعيات قضية جيفري إبستين.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة؛ لأنها تتزامن مع مرحلة دقيقة في العلاقات البريطانية الأمريكية، كما أنها تتضمن خطابًا مرتقبًا للملك تشارلز أمام الكونغرس الأمريكي، قد يكون الأهم في حياته العامة، وسط توقعات بأن يبعث برسائل دبلوماسية دقيقة تتعلق بالقيم المشتركة بين البلدين، مثل الديمقراطية، والحرية، وسيادة القانون.
أهم خطاب في مسيرة الملك
لكن التحدي الأكبر يتمثل في التعامل مع رئيس معروف بحساسيته تجاه الانتقاد وردود فعله غير المتوقعة، ما يجعل أي رسالة رمزية أو تلميح سياسي قابلًا لأن يُفهم على أنه موقف مباشر من الإدارة الأمريكية الحالية. لذلك سيكون على الملك تشارلز أن يوازن بين التمسك بالمبادئ التاريخية للعلاقة الثنائية وبين تجنب أي توتر سياسي أو دبلوماسي.
ومن المتوقع أن يُبث خطاب الملك دوليًا خلال الجلسة المشتركة للكونغرس الأمريكي، وقد يكون الأهم في مسيرته حتى الآن. ووفقًا لقصر باكنغهام، سيتناول الخطاب “التحديات التي تواجه البلدين”.
غير أن حساسية دونالد ترامب تجاه الانتقادات قد تضفي مزيدًا من التعقيد على صياغة الرسائل الدبلوماسية.
ويُستحضر في هذا السياق خطاب الملكة إليزابيث الثانية أمام الكونغرس عام 1991، حين أكدت أن القوة التي “تنشأ من فوهة البندقية لا تدوم طويلًا"، مشددة على أهمية حلف شمال الأطلسي، وعلى ضرورة أن تصبح أوروبا أكثر انفتاحًا وليبرالية وتوافقًا مع الولايات المتحدة، إضافة إلى إبراز قيمة “التنوع العرقي والثقافي الغني” في كلا البلدين.
وأشار البروفيسور "فيليب مورفي" مدير قسم التاريخ والسياسات في جامعة لندن، إلى أن أي خطاب مباشر يحمل مضامين مشابهة قد يُفسَّر اليوم على أنه هجوم صريح على دونالد ترامب، مضيفًا: “من المرجح أن يحاول الملك تشارلز توجيه رسائله إلى الشعب الأمريكي بشكل غير مباشر، متجاوزًا الرئيس نفسه”.
وأوضح "مورفي" أن الملك قد يركز على القيم المشتركة بين البلدين، مثل الإيمان بالحرية والديمقراطية، والتاريخ الطويل من الصداقة، في رسالة ضمنية مفادها أن “الرؤساء يأتون ويذهبون، بينما تبقى الروابط الثقافية والسياسية أعمق وأطول أمدًا”. وأضاف أن الملك يمتلك قدرة فريدة على إيصال هذه الرسائل بأسلوب لا يستطيع القادة السياسيون اعتماده، من خلال إبراز أن قوة العلاقة الثنائية تتجاوز الاعتبارات السياسية الآنية.
شبح إبستين والخلافات العائلية الملكية
كما تبرز تحديات أخرى مرتبطة بصورة العائلة الملكية في الإعلام الأمريكي، إذ لا تزال تداعيات الخلافات مع الأمير هاري وميغان ماركل تلقي بظلالها على الزيارة، إلى جانب الضغوط المعنوية المرتبطة بقضية إبستين، ما قد يفتح الباب أمام تغطيات إعلامية وانتقادات جماهيرية تربك المشهد.
ومع استمرار تداعيات قضية جيفري إبستين، دعا عدد من الشخصيات، من بينهم النائبة الأمريكية رو خانا، وسكاي روبرتس، الملك تشارلز، ولا سيما الملكة كاميلا، إلى لقاء ضحايا إبستين.
غير أن مصدرًا في القصر الملكي أكد أن مثل هذا اللقاء لن يتم، مبررًا ذلك بإمكانية تأثيره سلبًا على مجريات التحقيقات والإجراءات القانونية المحتملة، “بما قد يضر بمصالح الضحايا أنفسهم في سعيهم لتحقيق العدالة”.
وأشار البروفيسور "فيليب مورفي" إلى أن “التغطية الإعلامية ستكون حاضرة بقوة، وقد تشهد الزيارة بعض الاحتجاجات”، مضيفًا أنه في حال تواجد الملك وسط الحشود، “قد يواجه هتافات أو تعليقات مباشرة من بعض الحاضرين”.
وفي ما يتعلق بـالأمير هاري وزوجته، المقيمين في مونتيسيتو على الساحل الغربي، على بُعد نحو 3 آلاف ميل من واشنطن، تشير المعلومات إلى عدم وجود أي خطط لعقد لقاء بين الأب وابنه خلال الزيارة.
ويبقى أقصى ما يأمله القصر الملكي هو تجنّب أي تصريحات إعلامية مفاجئة أو مقابلات مثيرة للجدل من جانب هاري، خصوصًا تلك التي تتناول نشأته داخل العائلة الملكية، لما قد تحمله من تأثير على أجواء الزيارة.
ورغم التحديات، يرى مراقبون أن جزءًا من الرأي العام الأمريكي قد يكون تعرّف مؤخرًا على الملك تشارلز من خلال التغطيات المرتبطة بقضيتي إبستين وساسكس، ما يضيف بُعدًا حساسًا للزيارة.
وفي المقابل، تمثل الزيارة فرصة مهمة للملك تشارلز لإبراز دوره كرمز للاستقرار والاستمرارية، وإظهار قدرة المؤسسة الملكية على لعب دور يتجاوز الحسابات السياسية، في واحدة من أكثر المحطات حساسية في العلاقات بين لندن وواشنطن.