مع بداية ولاية ترامب الثانية، يبدو أن السياسة الخارجية الأمريكية دخلت مرحلة جديدة من الصدامية والجرأة، تقودها رؤية ترى أن القوة هي المعيار الأول للحكم والسيطرة.
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" فقد أصبح ستيفن ميلر، مستشار الأمن الداخلي ونائب رئيس أركان البيت الأبيض لشؤون السياسات، اليوم أكثر من مجرد مهندس للسياسات الداخلية المتشددة؛ فهو العقل المهيمن على نهج الإدارة في الخارج، حاملًا فلسفة ترى أن التحالفات، والقانون الدولي، والدبلوماسية التقليدية أدوات ثانوية أمام منطق الهيمنة المباشرة.
صنع ميلر اسمه خلال الولاية الأولى عبر سياسات الهجرة المتشددة، بدءًا من الترحيل الجماعي وفصل العائلات، وصولًا إلى تحدي مفاهيم دستورية مثل حق المواطنة.
ومع انطلاق الولاية الثانية، أعاد ميلر نفس المنطق إلى السياسة الخارجية، حيث تتقاطع رؤيته مع الطموحات التوسعية للرئيس ترامب.
في مقابلات إعلامية، شدد ميلر على أن العالم "يُحكم بالقوة"، معتبراً أن هذا هو "القانون الحديدي للتاريخ"، ما يعكس نهجًا صريحًا يتجاوز الخطاب التقليدي للسياسة الأمريكية.
هذه الفلسفة تُترجم عمليًا إلى دعم محتمل لضم غرينلاند بالقوة إذا لزم الأمر، وتبرير السيطرة على فنزويلا واستغلال مواردها النفطية، خاصة بعد الغارة الأمريكية الأخيرة التي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.
ما كان يُنظر إليه في الولاية الأولى كأفكار غريبة أو "مزحة رئاسية" أصبح اليوم في الولاية الثانية تهديدًا رسميًا، تتعامل معه الدول الحليفة بجدية، وعلى رأسها الدنمارك؛ فالتصريحات التي تخص أراضي حليف شمال الأطلسي لم تعد مجرد نقاش نظري، بل هي احتمال واقعي يفرض إعادة تقييم التحالفات وتقدير المخاطر الاستراتيجية.
يعكس هذا التحول طبيعة الإدارة الحالية، حيث تلاشت الأصوات المقيدة وغاب مستشارو التهدئة الذين شكّلوا سابقًا كوابح مؤسسية جزئية.
يتمتع ميلر اليوم بنفوذ واسع يسمح له بتطبيق أفكاره على أرض الواقع، بدعم كامل من الرئيس، وفريق عمل يتجاوز 40 شخصًا، ما يجعل تأثيره على السياسة الخارجية الأمريكية أكبر من أي وقت مضى.
تضع رؤية ميلر الولايات المتحدة على مسار تصادمي مع النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، القائم على التحالفات والردع المتبادل. طرح ضم أراضٍ تابعة لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي يفتح الباب لتآكل الثقة داخل التحالف، ويمنح خصوم واشنطن مبررًا لإعادة تعريف قواعد اللعبة.
وبالرغم من أن المتحدثة باسم البيت الأبيض تصف ميلر بأنه "ينفذ ما يريده الرئيس بأمانة"، فإن الواقع يشير إلى أن الرجل أصبح العقل المحرك لسياسة خارجية أكثر صدامية، أقل دبلوماسية، وأكثر اعتمادًا على منطق السيطرة المباشرة، مع انعكاسات محتملة على مكانة الولايات المتحدة الدولية وعلاقاتها مع الحلفاء التقليديين.
في عالم يشهد اضطرابًا متزايدًا، ترى فلسفة ميلر في الفوضى فرصة لإعادة رسم الخرائط بالقوة؛ حيث يعكس دعم السياسات العدوانية تجاه مناطق استراتيجية مثل غرينلاند وفنزويلا، استعداد الإدارة الأمريكية الحالية للدخول في مواجهات مفتوحة مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.
يبقى السؤال المركزي؛ إلى أي مدى ستذهب الولايات المتحدة في تبني هذه الرؤية، وما هو الثمن المحتمل على موقعها الدولي؟
ما هو واضح حتى الآن، أن عهد السياسة الخارجية القائمة على التحالفات والدبلوماسية التقليدية قد بدأ يشهد تحولًا ملموسًا، يقوده رجل يرى أن القوة هي المعيار الأخير لكل شيء.