علّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الأحد الماضي، على تدمير 9 سفن حربية إيرانية.
وقال ترامب على منصته "تروث سوشيال": "لقد دمّرنا مقرّهم البحري الرئيس بشكل شامل. وبخلاف ذلك، بحريتهم بخير تمامًا!".
جملة واحدة تختصر أسلوبًا غير مسبوق في التاريخ السياسي الأمريكي: رئيس يخوض حربًا، ويتحدث عنها بنبرة ساخر في مقهى.
منذ انطلاق العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية، فجر السبت 28 فبراير/شباط الماضي، لم تتوقف نبرة ترامب الساخرة.
وفي الثالث من مارس/آذار الجاري، بعد 4 أيام من المعارك، كتب ترامب: "الإيرانيون يريدون التفاوض. أجبتهم: فات الأوان. دفاعهم الجوي وقواتهم الجوية وبحريتهم وقيادتهم دُمّرت"، وفق ما نقلته صحيفة "لوفيغارو".
وفي الوقت ذاته، نشر البيت الأبيض عبر حسابه على "إنستغرام" مقطعًا مصوّرًا يُظهر قاذفات "B-2" وفيديوهات الضربات، على إيقاع موسيقى "ماكارينا" في نسخة ريمكس.
ويُلاحظ نيكولا بايغير، المتخصص في الاتصال السياسي في لوفيغارو، أن ما يُميّز ترامب عن سابقيه هو "خفة" خطابه في مواجهة رهانات بالغة الخطورة.
ويقول: "في أوقات الحرب، تكون القواعد السياسية المعتادة أكثر جدية بكثير. يتبنّى الزعماء عادةً موقف الوحدة الوطنية، ويُفضّلون خطابًا رصينًا"، لكن ترامب يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
أما جيروم فيالا-، المتخصص في الديمقراطية الأمريكية، فإنه يرى أن "الفكاهة" تُسهم بهذا الصراع في "تطبيع العنف".
ويُضيف بايغير أن صياغة بعض الخطابات على شكل نكات تُتيح "تمرير بعض الأفكار بشكل أسهل"، فالهدف إذن ليس تخفيف رواية الحرب، بل جعلها مقبولة سياسيًا.
وبحسبه، يعمل المزيج من النكات والفيديوهات المُلفَّقة ولمسات السخرية كمختبر يختبر فيه ترامب "حدود النقاش العام، ويُسهم في تطبيع مقترحات كانت تُعدّ مرفوضة في الماضي".
هذا الخطاب يُبسّط السياسة ويجعلها "أكثر إتاحةً"، وفق بايغير.
ويقول: "هذه اللغة ملائمة بشكل خاص لوسائل التواصل الاجتماعي، إذ تُحقق أداءً تفاعليًا وتستقطب جمهورًا بعيدًا عن السياسة".
غير أن بايغير يُحذّر من الوقوع في مغالطة تفسيرية: ليس لأن هذه الأقوال تُقال بخفة فهي "فكاهة منفلتة"، ويُوضح أن "الهدف ليس الإضحاك، بل هو دائمًا شكل من أشكال التمثيل المسرحي. ترامب دائمًا في حالة تجسيد وإخراج"، وفق تعبيره.
ويصف الخبير تواصل ترامب بأنه "منطق أداء متعدد المستويات": المستوى الأول هو الرسمي الذي يُضفي مصداقيةً على صورته الرئاسية، والثاني هو التهديد الذي يُبقي ضغطًا أقصى على خصومه، أما الثالث فهو الساخر الاستهزائي.
ويخلص إلى أن "هذا ليس تناقضًا بل إستراتيجية متعمدة لمزج الأدوار: رئيس مؤسسي ومتمرد في آنٍ واحد".
ولا يقتصر هذا المسرح السياسي على إبقاء المواطنين في حالة ترقب، بل يمتد إلى فرض أولويات النقاش الإعلامي.
ويُلاحظ فيالا-غودفروا أن "ترامب يُحدد الأجندة السردية، لا سيما بفضل سرعة ردود أفعاله".
ويرى الخبيران أن هذا الكمّ الهائل من الرسائل واللحظية الدائمة تحولان دون أي تأمل أو مراجعة.
ويُحلّل بايغير: "النقاش الديمقراطي يفترض تمهّلًا وتداولًا. هنا نحن في عالم العاطفة والردة الفورية".
وفي نهاية المطاف، يرى بايغير أن ترامب "يحوّل في أغلب الأحيان النزاعات إلى مشهد، والخصم إلى موضع للسخرية".
إستراتيجية ترمي، وفق فيالا-غودفروا، إلى "إذلال الخصم" أولًا، وقبل كل شيء.
ميكانيزم ليس جديدًا كليًا، إذ إن شيطنة العدو ركيزة كلاسيكية في الاتصال الحربي، لكن ترامب رفعها إلى مستوى الفن.