في تصعيد جديد يعكس احتدام الصراع الجيوسياسي حول الطاقة والعقوبات، فجّرت حادثة احتجاز ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في شمال الأطلسي مواجهة مباشرة بين موسكو وواشنطن، واضعة إدارة الرئيس دونالد ترامب في مرمى انتقادات روسية حادة، وسط اتهامات متبادلة باستخدام القوة خارج الأطر القانونية الدولية.
أعلنت روسيا أن احتجاز الولايات المتحدة لناقلة النفط "مارينيرا"، التي كانت قادمة من فنزويلا، يمثل "استخداماً غير قانوني للقوة" وخرقاً صريحاً لقواعد الملاحة البحرية العالمية.
واعتبرت موسكو أن ما جرى يعكس "موقف إدارة ترامب الاستخفافي" تجاه القانون الدولي، محذّرة من أن الحادثة قد تؤدي إلى رفع مستوى التوتر العسكري-السياسي في منطقة أوروبا الأطلسية، وخفض ما وصفته بـ"عتبة استخدام القوة" ضد الملاحة السلمية.
في المقابل، أكدت القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM) أن مصادرة الناقلة جاءت بسبب انتهاكها العقوبات الأمريكية المفروضة على فنزويلا، مشيرة إلى أن السفينة كانت تُعرف سابقاً باسم "بيلا 1".
وذهبت إدارة ترامب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الناقلة حاولت التمويه على هويتها الروسية للتحايل على نظام العقوبات، في إطار تشديد واشنطن قبضتها على قطاع النفط الفنزويلي ضمن ما تصفه بـ"مبدأ دونرو".
يأتي هذا الاشتباك في توقيت بالغ الحساسية، إذ يتقاطع مع تطورات دراماتيكية في الملف الفنزويلي، بما في ذلك إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، ومع تحسن نسبي في العلاقات الروسية‑الأمريكية على خلفية المفاوضات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا.
هذا التناقض دفع مراقبين في موسكو إلى الاعتقاد، سابقاً، بأن عودة ترامب إلى البيت الأبيض قد تفتح نافذة لتخفيف الضغوط الاقتصادية على روسيا، إلا أن حادثة "مارينيرا" بدّدت تلك الآمال سريعاً.
وتشير القراءة التحليلية للمشهد إلى أن إدارة ترامب لا تتعامل مع فنزويلا بوصفها ملفاً إقليمياً فحسب، بل كساحة اختبار لإعادة تشكيل النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة.
فبدلاً من الاعتماد على الدبلوماسية متعددة الأطراف، تفضّل واشنطن استعراض القوة وفرض الوقائع، حتى لو أدى ذلك إلى صدام مباشر مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، اللتين تعتبران فنزويلا حليفاً إستراتيجياً في أمريكا اللاتينية.
في بيان مطوّل، نفت وزارة الخارجية الروسية بشكل قاطع مزاعم التمويه، مؤكدة أن السلطات الأمريكية تلقت، مراراً، معلومات رسمية وموثوقة حول الانتماء الروسي للناقلة ووضعها المدني السلمي، وأنه "لا يوجد، ولم يكن، أي أساس للحديث عن إبحارها تحت راية مزيفة".
في المقابل، دافع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن قرار الاحتجاز في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، معتبراً أن "مارينيرا كانت ناقلة نفط روسية مزيفة" سعت إلى الالتفاف على العقوبات.
وكشف فانس بوضوح فلسفة إدارة ترامب في التعامل مع فنزويلا، قائلاً إن السيطرة تتم عبر التحكم في الموارد المالية والطاقة، والسماح ببيع النفط فقط إذا كان ذلك يخدم "المصالح الوطنية الأمريكية".
هذا الخطاب يعكس ما تسميه الإدارة "الدبلوماسية الحاسمة عالية الجودة"، أي ممارسة ضغط اقتصادي خانق دون الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة.
غير أن موسكو تحذّر من أن هذا النهج، إذا ما تُرك دون ضوابط، قد يشجع دولاً أخرى على تبني أساليب مشابهة، ما يهدد استقرار الملاحة الدولية ويزيد من مخاطر الانزلاق نحو صدامات أوسع في البحار المفتوحة.