logo
العالم

إستراتيجية "الاستنزاف الهادئ".. كيف تُربك أوكرانيا العمق اللوجستي الروسي؟

جندي أوكراني يطلق قذيفة مدفع هاوتزرالمصدر: رويترز

تشهد جبهات القتال في أوكرانيا تحولاً لافتاً في نمط العمليات العسكرية، مع تصاعد وتيرة الضربات الدقيقة التي تستهدف العمق اللوجستي الروسي، في مؤشر على انتقال كييف إلى نهج أكثر تنظيماً يقوم على استنزاف البنية التحتية العسكرية.

ونفذت قوات العمليات الخاصة الأوكرانية، في 17 مارس/ آذار 2026، ضربات استهدفت مستودع ذخيرة في بلدة تيربينيا بمنطقة زاباروجيا، وهو موقع تابع للجيش الروسي. وتزامن ذلك مع استهداف مستودع وقود رئيس في ميليتوبول، التي تُعد عقدة لوجستية محورية تربط بين الجبهات الجنوبية وشبه جزيرة القرم، مما يعزز فرضية توجيه ضربات مركّزة نحو شرايين الإمداد الحيوية.

ولم تقتصر العمليات على المخازن، إذ امتدت إلى استهداف نقاط تحكم بالطائرات المسيّرة قرب هوليايبولي، في خطوة تهدف إلى تقليص قدرة القوات الروسية على تنفيذ الاستطلاع وتنسيق الضربات الجوية غير المأهولة.

أخبار ذات علاقة

محطة زاباروجيا

مفاعل تحت القصف.. محطة زاباروجيا تتحول إلى "نقطة الحسم" في الحرب الأوكرانية

تحوّل نوعي

ووفقاً لمراقبين، تأتي هذه التحركات ضمن سياق أوسع من الضربات التي طالت منشآت نفطية داخل العمق الروسي خلال شهر مارس، بينها مواقع في كراسنودار، وهو ما أدى إلى تعطيل جزئي في البنية التحتية للطاقة. وبين ضرب مستودعات الذخيرة والوقود، وتعطيل مراكز التحكم المسيرة، تبدو أوكرانيا وكأنها ترسم معادلة جديدة للحرب، تتمثل في ضرب العمق بشكل يومي ومنهجي لتحويل اللوجستيات الروسية من عنصر قوة إلى نقطة استنزاف مفتوحة.

ويؤكد فولوديمير شوماكوف، الدبلوماسي الأوكراني السابق، أن الحرب الجارية تشهد تحولاً نوعياً عميقاً في طبيعة القتال، حيث باتت الطائرات المسيّرة تمثل العامل الحاسم في إدارة العمليات العسكرية، فارضة واقعاً جديداً على خطوط المواجهة.

وفي تصريح لـ «إرم نيوز» كشف شوماكوف، أن أوكرانيا تمكنت خلال المرحلة الحالية من امتلاك زمام المبادرة ميدانياً عبر نقل المعركة إلى العمق الروسي، مستهدفة البنية التحتية وخطوط الإمداد على مسافات تصل إلى 50 و60 كيلومتراً خلف الجبهة، وهو ما أدى إلى تحويل هذه المناطق إلى «مناطق رمادية» يصعب التحرك داخلها، حتى بالنسبة للآليات الثقيلة مثل الدبابات.

وأضاف شوماكوف، أن هذا التطور انعكس بشكل مباشر على خطوط التماس، التي أصبحت شبه مشلولة، حيث بات من الصعب على الجنود مغادرة مواقعهم أو نقل الإمدادات من الخلف إلى الأمام نتيجة التهديد المستمر من المسيّرات. 

وأكد أن ميزان السيطرة لم يعد يعتمد على الكثافة النارية التقليدية، بل على التفوق في أنظمة الطائرات غير المأهولة، مشيراً إلى أن الطرف الذي يمتلك تكنولوجيا أكثر تطوراً هو من يفرض إيقاع المعركة فعلياً.

ولفت إلى التحديات التقنية التي تواجه أوكرانيا، خاصة ما يتعلق بانقطاع بعض أنظمة الاتصال مثل خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وهو ما يؤثر على كفاءة تشغيل المسيرات، مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه بدورها مشكلات مشابهة.

أخبار ذات علاقة

جنود روس

تحركات على عدة جبهات.. روسيا وأوكرانيا تخوضان حرب استنزاف طويلة ومعقدة

رسائل الصمود الأوكراني

من جانبه، أوضح إبراهيم كابان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن الحرب الممتدة على مدار السنوات الماضية أسهمت في صقل القدرات الأوكرانية بشكل ملحوظ، سواء على مستوى تطوير الصناعات العسكرية أو تحسين التكتيكات القتالية.

وأشار في حديث لـ «إرم نيوز» إلى أن هذه الضربات تحمل رسالة استراتيجية واضحة، مفادها أن أوكرانيا ليست هدفاً سهلاً بل تمتلك القدرة على الصمود والمناورة، خاصة في ظل استمرار الدعم الأوروبي الذي يعزز من قدراتها الدفاعية والهجومية.

وأضاف أن طبيعة المعارك الحالية تتسم بطابع الكر والفر، حيث يتبادل الطرفان التقدم في بعض الجبهات، إلا أن الصورة العامة تشير إلى أن معظم العمليات لا تزال تدور داخل الأراضي الأوكرانية، وهو ما يجعل روسيا تنظر إلى هذا الصراع باعتباره ساحة استنزاف معقدة أو «مستنقعاً» يصعب الحسم فيه.

ولفت كابان إلى أن تبني أوكرانيا لنهج المبادرة بالهجوم وتنفيذ عمليات نوعية لا يحملها خسائر إضافية بقدر ما يمنحها مكاسب استراتيجية ومعنوية، من خلال رفع كفاءة الجيش وتعزيز الروح القتالية.

وشدد على أن كييف باتت تتبنى عقلية العمليات الاستراتيجية، القائمة على توجيه ضربات دقيقة ومؤثرة في العمق العسكري الروسي، بما يعزز قدرتها على إطالة أمد المواجهة وإعادة تشكيل توازنات الميدان.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC