يذهب خبراء إلى أن إغلاق مضيق هرمز تحول إلى "طوق نجاة" غير متوقع للاقتصاد الروسي، فبعد أن واجهت موسكو ضغوطاً مالية خانقة وتراجعاً حاداً في عائدات النفط مطلع عام 2026، أعادت شرارة الحرب الإيرانية رسم خارطة الأسعار العالمية.
ومع قفز خام برنت إلى ذروة 126 دولاراً للبرميل نتيجة اضطراب الإمدادات، تدفقت السيولة مجدداً إلى الخزينة الروسية، لتمول "الآلة العسكرية" بمبالغ قياسية عوضت تدهور أسعار خام الأورال الذي هبط سابقاً إلى مستويات حرجة، مما جعل من أزمة الشرق الأوسط محركاً جديداً لقوة روسيا المالية.
على مستوى الصادرات، ارتفعت الشحنات الروسية إلى آسيا، حيث اقتربت الإمدادات إلى الصين من 1.92 مليون برميل يوميًّا، فيما سجلت واردات الهند نحو 1.5 مليون برميل يوميًّا خلال أسبوع، بزيادة تقارب 50%.
وأعلنت موسكو استعدادها لزيادة الإمدادات إلى بكين ونيودلهي، مع تسجيل مؤشرات على طلب متزايد من كبار المستوردين، وارتفعت الإيرادات الروسية إلى نحو 513 مليون يورو يوميًّا خلال النصف الأول من مارس، مقارنة بـ472 مليون في فبراير.
ويؤكد سيرغي ماركوف، المستشار السابق للرئيس الروسي، أن موسكو نجحت في تعزيز موقعها داخل أسواق الطاقة العالمية عبر زيادة صادرات النفط إلى الصين والهند بأسعار مخفضة، مستفيدة من الاضطرابات الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز وتعقيدات الإمدادات العالمية.
وفي تصريح لـ«إرم نيوز»، قال إن هذه السياسة لا تقتصر على تصريف الفائض النفطي، بل تمثل أداة استراتيجية لتعويض آثار العقوبات الغربية، من خلال تأمين تدفقات نقدية مستقرة تدعم الاقتصاد الروسي في مواجهة الضغوط.
وأضاف أن الخصومات السعرية ليست خسارة مباشرة، بل وسيلة لاختراق الأسواق الآسيوية وتعزيز الاعتماد طويل الأمد على النفط الروسي، بما يضمن استمرار الطلب حتى في ظل القيود الغربية.
وأشار إلى أن جزءًا من هذه الإيرادات يُستخدم في دعم الصناعات الدفاعية، وهو ما يعزز القدرات العسكرية الروسية في أوكرانيا ويربط بشكل مباشر بين عائدات الطاقة وتمويل العمليات القتالية.
وأكد ماركوف أن الجهود الأمريكية للحد من نفوذ موسكو في قطاع الطاقة لم تحقق النتائج المرجوة، في ظل اتجاه الصين والهند لزيادة وارداتهما من النفط الروسي بأسعار تنافسية.
وأوضح أن تراجع الإمدادات من بعض الدول مثل إيران وفنزويلا دفع بكين للاعتماد بشكل أكبر على روسيا كمصدر مستقر، وهو ما يمنح موسكو نفوذا استراتيجيا متزايدا في آسيا.
من جانبه، اعتبر هشام معتضد، الباحث الاستراتيجي، أن ما نشهده يتجاوز مجرد تزامن بين أزمات الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، ليعكس ترابطا بنيويا بين مسرحين جيوسياسيين متداخلين يعيدان تشكيل خريطة الطاقة العالمية.
وأكد في حديث لـ«إرم نيوز»، أن إغلاق مضيق هرمز أعاد تشكيل منحنى أسعار النفط بشكل فوري، ما منح روسيا فرصة لإعادة تسعير صادراتها بعيدًا عن الضغوط التي فرضتها العقوبات الغربية، لتتحول الأزمة الإيرانية إلى رافعة غير مباشرة لتمويل المجهود العسكري الروسي.
وأضاف أن موسكو لا تستفيد فقط من ارتفاع الأسعار، بل من إعادة هيكلة السوق نفسها، حيث تصبح إمداداتها أكثر جاذبية مع اضطراب الإمدادات الخليجية.
ولفت الباحث الاستراتيجي إلى أن الصين والهند تتحركان وفق اعتبارات أمن الطاقة وليس لدوافع سياسية، وهو ما يمنح روسيا هامشا أوسع لتصريف نفطها بأسعار أقرب إلى السوق العالمية.
وأضاف أن التخفيف الأمريكي المؤقت للعقوبات خلق نافذة سيولة إضافية سمحت بتحويل النفط المخزن إلى عائدات مباشرة تدعم الميزانية الروسية.
وأكد معتضد أن هذه الإيرادات تعزز قدرة موسكو على خوض حرب استنزاف طويلة عبر تمويل العمليات وتعويض الخسائر، خاصة أن تصاعد التوتر في الخليج ينعكس على قدرة روسيا في أوكرانيا، في مشهد يكشف ترابط الأزمات واستخدام الطاقة كسلاح جيوسياسي يعيد توزيع النفوذ عالميًّا.