logo
العالم

"المتفرج الذكي".. كيف تمنح نيران حرب إيران "عرش العالم" للصين؟

ميناء نفطي في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ الصينيالمصدر: رويترز

في قراءة معمقة لدروس التاريخ، يستحضر المفكر الفرنسي البارز جاك أتالي عبر صحيفة "ليز إيكو" قاعدة ذهبية في صراع القوى: "حين تستنزف قوة عظمى طاقاتها في مواجهة منافس، فإن الرابح الحقيقي هو طرف ثالث يجلس بعيداً، يراقب وينتظر".

وبلا تردد، يُسمي أتالي هذا الطرف: الصين. ليس لأن بكين هي من أشعلت فتيل الحرب الإيرانية أو خططت لها، بل لأن رياح الصراع الراهن تجلب لها مكاسب جيوسياسية واقتصادية عجزت عن تحقيقها في سنوات السلم، محولةً انشغال واشنطن إلى فرصة ذهبية لترسيخ هيمنة التنين الصامت.

أخبار ذات علاقة

العلم الصيني

5 فرص.. الصين "لا تخسر" من استمرار الحرب الإيرانية

المتفرج الذكي في حريق الآخرين

منذ الضربة الأولى، في 28 فبراير/ شباط، اختارت الصين موقع المراقب المحتاط، لا إدانة صريحة، ولا دعما معلنا، المتحدث باسم وزارة الخارجية لين جيان يتحدث عن "تعزيز التنسيق مع دول جنوب شرق آسيا في ملفات أمن الطاقة"، وتاجر صيني يشتكي على تطبيق شياوهونغشو من أن حاويات بضائعه لن تصل في الموعد المحدد، لكن بكين رسمياً تلتزم الصمت. 

المحلل بن كافيندر من مجموعة أبحاث السوق الصينية يُلخّص الحسابات: "الصين لديها القليل لتخسره بالصمت والكثير لتكسبه بأن تُرى طرفاً محايداً".

النفط الإيراني ورقة بيد بكين

الأرقام تُوضّح حجم الاعتماد المتبادل: الصين استوردت عام 2025 ما بين 840 ألف و1.38 مليون برميل يومياً من إيران، أي ما يمثل 13% من إجمالي وارداتها النفطية وفق دراسة نشرها موقع "لو غران كونتينان" الفرنسي.

الحرب قطعت هذا التدفق فجأة، لكنها في الوقت ذاته فتحت باباً آخر: إدارة ترامب بدأت تُلمّح إلى تخفيف العقوبات على النفط الإيراني لكبح ارتفاع الأسعار. 

وبما أن الصين تستوعب 80% من صادرات إيران النفطية، فإنها قادرة على إعادة ضخ هذا النفط في الأسواق الدولية كوسيط، وهو ما قد يُشكّل ورقة ضغط على طهران مقابل مكاسب دبلوماسية وتجارية، وفق ما تُلمّح تقارير "بورصة أوراما" الفرنسية.

أخبار ذات علاقة

الناطق باسم الخارجية الصينية لين جيان

الصين تدعو لتحييد "شريان النفط" عن حرب إيران

المعادن النادرة.. سلاح صامت في وجه البنتاغون

ما لا يُقال كثيراً في التغطيات الإعلامية يكشفه تقرير "راديو فرنسا الدولي": الصين تتحكم في 70% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة و90% من عمليات التكرير. هذه المعادن، ومنها الديسبروسيوم والتيربيوم، ضرورية لصناعة الصواريخ والرادارات وأنظمة التوجيه الدقيق. 

الباحث جاسون بيدفورد، من معهد آسيا الشرقية بجامعة سنغافورة الوطنية يُصرح لوكالة  الأنباء الفرنسية: إن قررت بكين تقليص صادراتها من هذه المعادن فبمقدورها شلّ إنتاج الأسلحة الأمريكية الجديدة"ـ ورغم أن الأثر ليس فورياً، لكن على المدى المتوسط فهو قد يُحدد طول الحرب ومدى الاستدامة الأمريكية فيها.

هزيمة السلاح الصيني.. لكنها ليست كارثة

لكن الحرب ليست وردية بالكامل بالنسبة للصين، المحلل لويك تاسيه يشير في تقرير "جورنال دو مونتريال" إلى خسارة صينية مُحرجة: منظومات المراقبة الصينية المُصدَّرة لإيران فشلت في كشف الطائرات الأمريكية الشبحية، وصواريخ HQ-9B  المُسوَّقة بديلاً للباتريوت لم تُثبت كفاءتها. 

وأشار إلى "دروس مُشابهة خرجت من المواجهات الهندية الباكستانية واليمنية. هذا يضرب سمعة السلاح الصيني في أسواق التسليح العالمية، وهو ثمن غير هيّن".

أخبار ذات علاقة

أعلام الاتحاد الأوروبي والصين

تراجع التضخم في أوروبا بسبب الواردات الصينية "الرخيصة"

فرصة إستراتيجية في الباحة الخلفية الآسيوية

لكن الضرر الأقل وضوحاً والأكثر أثراً يقع في آسيا. الفلبين تعتمد على 95% من نفطها من الشرق الأوسط، وأعلنت أسبوع العمل الرباعي لموظفيها. فيتنام رفعت أسعار الديزل 60%، كذلك باكستان وبنغلاديش تفرضان تقنين الوقود.

في هذا الفراغ تتحرك بكين بهدوء: وعدت مانيلا بعدم تقليص صادرات الأسمدة، وأعلن ناطقها الرسمي عن "تعزيز التعاون مع دول جنوب شرق آسيا في أمن الطاقة". خطتها الخمسية الخامسة عشرة، التي أُقرّت في 12 مارس/ آذار، تضع "التكامل الطاقوي الآسيوي" في قلبها. فالحرب تُسرّع ما كان مخططاً أصلاً، وفق تقرير "كورييه إنترناسيونال".

الانشغال الأمريكي هدية إستراتيجية

وو شينبو، مدير مركز الدراسات الأمريكية في جامعة فودان بشنغهاي، يذهب إلى جوهر الأمر: "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منشغل بإدارة الحرب، وهذا سيُلقي بظلاله على السياسة الداخلية الأمريكية وعلى انتخابات نوفمبر"، وأن "ما كان يُراد منه استعراضاً للقوة الأمريكية لإرهاب بكين أسفر في المقابل عن تحطيم وهم القدرة الأمريكية المطلقة". والأهم أن واشنطن باتت تحتاج منافسها الإستراتيجي للمساعدة في أزمة صنعتها بيدها.

اقتصاد الصين الموجّه نحو التصدير يُعاني. المصانع الساحلية تُبطئ إنتاجها. ومع ذلك، يُجمع المحللون على أن الصين أفضل حالاً مما يبدو عليه الأمر: احتياطياتها النفطية تكفي لأشهر، وبدائلها من الطاقة الروسية والمتجددة تُخفف الصدمة، وتنافسيتها الصناعية تبقى أمتن من كل اقتصادات المنطقة. 

وقال وزير خارجيتها وانغ يي ما يُلخّص الموقف الصيني في جملة واحدة: "لا يوجد منتصر في الحروب الطويلة"، لكن الجملة غير المقولة هي: ولا خاسر يُشبه الصين إن طالت هذه الحرب.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC