أعلنت موسكو إحكام سيطرتها على 12 بلدة أوكرانية خلال أسبوعين فقط من الشهر الحالي، في خطوة اعتبرتها دليلًا على تحول نوعي في مسار العمليات.
وتتركز التحركات الروسية في محاور شرق وجنوب أوكرانيا، حيث يتصاعد الضغط باتجاه سلوفيانسك، فيما تدور معارك شوارع في كوستيانتينيفكا، بالتوازي مع تقدم تدريجي في زاباروجيا ومحاولات لتوسيع مناطق عازلة قرب الحدود الشمالية.
وتأتي هذه التحركات ضمن تصور أوسع يركز على تفكيك "حزام الحصون" الأوكراني في دونيتسك، الذي يضم مدنًا رئيسية تشكل خط الدفاع الأبرز لكييف.
وفي خضم هذه التطورات، تقدّم كييف رواية مختلفة، إذ تؤكد أن وتيرة الهجمات الروسية تراجعت مع تنفيذ هجمات مضادة نجحت في استعادة مساحات ميدانية وإرباك الخطط الروسية.
وتعتمد أوكرانيا على استراتيجية "الضرب المسبق" عبر استهداف منصات المدفعية والصواريخ، في محاولة لتعطيل أي هجوم واسع قبل انطلاقه.
ووفقًا للمراقبين، تكشف الأرقام أن المكاسب الإقليمية المحققة خلال عام كامل لا تمثل سوى نسبة محدودة من مساحة أوكرانيا، وهو ما يعكس طبيعة الصراع البطيئة والاستنزافية.
ويرى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، بسام البني، أن "التقدم الروسي الأخير وسيطرة موسكو على عدد من البلدات خلال فترة قصيرة لا يعني بالضرورة أن الحرب الأوكرانية تقترب من نهايتها"، موضحًا أن الحديث عن "بداية النهاية" لا يزال مبكرًا ولا يمكن ربطه بتطور ميداني واحد مهما كان حجمه.
وأشار البني، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أن "ما تحقق على الأرض يمثل تطورًا مهمًا ضمن سياق أوسع لحرب استنزاف طويلة ومعقدة، تتداخل فيها العوامل العسكرية مع الأبعاد السياسية والاقتصادية والدبلوماسية".
وتابع أن "روسيا تسعى من خلال هذا التقدم إلى تعزيز مواقعها التفاوضية وفرض وقائع ميدانية جديدة تمنحها أفضلية في أي مفاوضات محتملة، في حين تواصل أوكرانيا إظهار قدرتها على الصمود عبر تنفيذ ضربات داخل العمق الروسي، وهو ما يعكس استمرار التوازن النسبي في القدرة على الاستنزاف".
وأوضح المحلل السياسي أن ما يمكن تسميته "الربيع الروسي" يمنح موسكو زخمًا ميدانيًا ومعنويًا، لكنه لا يشكل نقطة حسم نهائية.
ولفت البني إلى أن "التصعيد في الشرق الأوسط قد يمنح روسيا أفضلية غير مباشرة، من خلال استنزاف القدرات الغربية وتراجع تدفق بعض أنواع الدعم العسكري إلى كييف، خاصة أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ".
في المقابل، أكد مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، إيفان يواس، أن "الرواية الروسية حول تحقيق تقدم واسع والسيطرة على 12 بلدة خلال فترة وجيزة تعكس قدرًا كبيرًا من المبالغة ولا تتطابق مع الواقع الميداني الفعلي".
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، أضاف يواس، أن "التصريحات الصادرة عن رئيس هيئة الأركان الروسية فاليري غيراسيموف تندرج ضمن إطار تضخيم المكاسب التكتيكية الصغيرة وتحويلها إلى إنجازات استراتيجية؛ بهدف التأثير في الرأي العام داخليًا وخارجيًا، وإيصال رسالة بأن الجبهة الأوكرانية على وشك الانهيار"، وفق تعبيره.
وأضاف أن "التقديرات تشير إلى أن السيطرة الروسية الفعلية كانت محدودة للغاية، إذ اقتصرت على مناطق جزئية أو وجود مؤقت في بعض القرى، من دون إحكام السيطرة الكاملة عليها".
وأشار إلى أن "بعض التحركات الروسية تضمنت دخول مجموعات صغيرة من الجنود إلى بلدات معينة ورفع العلم الروسي قبل الانسحاب، وهو ما لا يعكس سيطرة ميدانية حقيقية".
واعتبر يواس أن "خطوط القتال لا تزال تشهد مواجهات متقطعة من دون تغييرات استراتيجية حاسمة، وهو ما يكشف فجوة واضحة بين الخطاب الإعلامي الروسي والواقع العملياتي".