حملت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى بريطانيا أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي، لتكشف عن محاولة أوروبية متقدمة لإعادة صياغة معادلة الدعم العسكري في ظل تراجع الدور الأمريكي.
ووقّع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتفاقًا بعنوان "تعزيز التعاون الأمني والصناعي الدفاعي"، وهو ما يعكس، وفقًا للمراقبين، تحولًا نوعيًا في طبيعة الدعم، من المساعدات المباشرة إلى بناء قدرات مستدامة.
وتركّز الاتفاقية على تطوير الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الدفاع الجوي، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية.
وشدّد ستارمر على أن الشراكة الجديدة تعزز الأمن المشترك، مؤكدًا أن الابتكار العسكري بات عنصرًا حاسمًا في الصراع، خاصة مع تصاعد التهديدات المرتبطة بمحاور إقليمية ودولية.
في المقابل، حرص زيلينسكي على الإشادة بالدعم البريطاني، معتبرًا أنه شكّل ركيزة صمود خلال الفترات الأكثر صعوبة.
وأشار وزير الدفاع البريطاني إلى أهمية دمج الخبرة القتالية الأوكرانية مع القدرات الصناعية البريطانية، بما يضمن تطوير منظومات أكثر فاعلية في مواجهة التحديات.
وبين طموحات بناء شراكة دفاعية طويلة الأمد، وضغوط واقع ميداني معقد، يبقى السؤال: هل يمثل هذا الاتفاق بداية تعويض حقيقي لغياب واشنطن؟
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة موسكو، الدكتور نزار بوش، أن "التحركات الدبلوماسية المكثفة التي يقودها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بما في ذلك زيارته الأخيرة إلى بريطانيا، تندرج في إطار تحركات سياسية تحمل طابعًا استعراضيًا أكثر من كونها تحوّلًا حقيقيًا في موازين القوى".
وقال بوش، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن "الاتفاقيات الأمنية التي أبرمتها أوكرانيا مع عدد من الدول الأوروبية، مثل فرنسا وبريطانيا وبولندا، لا تزال حتى الآن من دون تأثير فعلي في مسار الحرب، نظرًا لغياب القدرة أو الرغبة لدى هذه الدول في الانخراط العسكري المباشر ضد روسيا".
وأضاف أن "موسكو حذّرت مرارًا من أن أي قوات أجنبية تدخل إلى الأراضي الأوكرانية ستُعد هدفًا مشروعًا"، مشيرًا إلى أن وقائع ميدانية سابقة شهدت استهداف مقاتلين أوروبيين بالفعل، وهو ما يعكس جدية هذا التهديد.
ولفت إلى أن "ما يقوم به زيلينسكي يهدف بالأساس إلى تعزيز صورته السياسية أمام الداخل والخارج، والتأكيد على استمرار الدعم الدولي، في حين أن الواقع الميداني يكشف عن تقدم روسي بطيء لكنه ثابت، مقابل تراجع أوكراني تدريجي على جبهات عدة".
وخلص إلى أن بريطانيا لن تتجاوز في دعمها حدود الإطار السياسي والإعلامي والتسليحي غير المباشر، بينما تظل أوكرانيا الطرف الأكثر استنزافًا في هذه المعادلة.
من جانبه، اعتبر خبير الشؤون الدفاعية البريطاني، جيمس بوسبوتينيس، أن "زيارة زيلينسكي إلى لندن تمثل محطة مفصلية في مسار تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، لا سيما في الجوانب الأمنية والصناعية الدفاعية".
وأكد بوسبوتينيس، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن "الاتفاق الذي تم الإعلان عنه بعنوان تعزيز التعاون الأمني والصناعي الدفاعي يعكس توجهًا واضحًا نحو نقل العلاقة من مستوى الدعم التقليدي إلى بناء قدرات استراتيجية طويلة الأمد".
وأشار إلى أن "التعاون يشمل مجالات متقدمة مثل الحرب غير المأهولة، وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والضربات بعيدة المدى، إضافة إلى المدفعية والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس رؤية شاملة لتحديث القدرات العسكرية الأوكرانية".
واعتبر بوسبوتينيس أن "إدراج برامج تدريب مشتركة وتبادل الخبرات العملياتية المكتسبة من الحرب يعزز من الجاهزية القتالية للطرفين، ويمنح بريطانيا فرصة الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في مواجهة التهديدات الحديثة".
وأضاف أن "التركيز على الإنتاج المشترك، خاصة من خلال إنشاء مرافق تصنيع وسلاسل إمداد خارج أوكرانيا، يمثل خطوة استراتيجية لضمان استمرارية الإنتاج العسكري وتقليل التعرض للضربات الروسية".
وأوضح أن "هذا التوجه يتيح تزويد القوات الأوكرانية بكميات أكبر من الأنظمة الحيوية، بما يعزز قدرتها على الصمود والمناورة".
وأشار بوسبوتينيس إلى أن "هذه الشراكة تسهم في تنويع مصادر التسليح وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، خاصة في ظل التغيرات السياسية هناك".