في مشهد يُعيد إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة، يشهد العالم عودة مفهوم "مناطق النفوذ" بقوة إلى قلب السياسة الدولية، فمن أوكرانيا في الشرق إلى غرينلاند في الغرب.
وعلى الرغم من بُعد المسافة الجغرافية بينهما، إلا أنهما تمثلان وجهين لعملة واحدة: صراع القوى العظمى على إعادة تشكيل النظام العالمي وفق مناطق نفوذ إقليمية محددة.
في عام 2019، شهدت فيونا هيل، مسؤولة مجلس الأمن القومي في إدارة ترامب الأولى، أمام لجنة بمجلس النواب، أن الروس الذين يدعمون إنشاء مناطق نفوذ كانوا يعرضون "مقايضة" فنزويلا، أقرب حليف لهم في أمريكا اللاتينية، مقابل أوكرانيا.
هذه الشهادة الاستثنائية تكشف عن واقع أعمق: فكرة أن العلاقات الدولية يجب أن تعزز هيمنة القوى العظمى، وليس القيم العالمية أو شبكات الحلفاء، انتقلت من موسكو إلى واشنطن.
من المنظور الروسي، أوكرانيا ليست مجرد دولة مجاورة، بل جزء لا يتجزأ من منطقة النفوذ الروسية التاريخية. لقرون، شدد قادة الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي على روسيا كقوة عظمى، ومن منظور روسيا، فإن مكانة القوة العظمى مرتبطة بمناطق النفوذ.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واجه القادة الروس حقيقة أن روسيا لم تعد أكثر من قوة عظمى إقليمية ذات مناطق نفوذ محدودة. لذا فإن الهدف الرئيس للسياسة الخارجية الروسية هو استعادة مكانة القوة العظمى والحفاظ عليها من خلال إعادة تأسيس مناطق نفوذها السابقة.
يشرح الخبير يوجين رومر وزميله ريتشارد سوكولسكي، في دراستهما الشاملة حول الثقافة الاستراتيجية الروسية، أنه منذ تأسيس الدولة الروسية الحديثة في القرن السادس عشر ارتبطت مصالحها الخارجية بأوروبا. لذا، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أرادت روسيا استعادة مناطق نفوذها في أوروبا.
في المقابل، تمثل غرينلاند بالنسبة لإدارة ترامب ما تمثله أوكرانيا لروسيا: منطقة نفوذ حيوية يجب السيطرة عليها. الحجة هي أن الولايات المتحدة يجب أن تقرر ما يحدث في محيطها المباشر، بنفس الطريقة التي تريد بها روسيا السيطرة على ما يحدث في إستونيا وأوكرانيا ومولدوفا، والصين في فيتنام ومنغوليا وتايوان.
هذه سياسة القوى العظمى في القرن التاسع عشر: الأقوى يحصل على الحكم في محيطه المباشر، والقواعد الدولية تهدف بشكل أساسي إلى الحد من القوى العظمى الأخرى، وليس حماية المبادئ العالمية أو سيادة الدول الصغيرة.
أعلنت الإدارة الأمريكية عن استراتيجية أمن قومي جديدة تهدف إلى ترسيخ هيمنة الولايات المتحدة على الأمريكتين، مستخدمة تعبيرًا غامضًا لوصف سياستها في نصف الكرة الغربي بأنه يقوم على "التجنيد والتوسع". وبالنظر إلى هذه الاستراتيجية من كثب، نجد أن هناك مرآة جيوسياسية واضحة بين السياسات الأمريكية والسياسات الروسية في مناطق النفوذ القريبة من كل منهما.
فالجغرافيا تلعب دورًا حاسمًا، فهي بمثابة قدر لا مفر منه. فكما أن أوكرانيا تقع مباشرة على الحدود الغربية لروسيا، تُعد غرينلاند جزءًا من "نصف الكرة الغربي" الذي تعتبره الولايات المتحدة مجالًا حيويًا لأمنها القومي.
أما المبررات الأمنية، فهي تتشابه بشكل مثير للاهتمام؛ فروسيا ترى في توسع حلف الناتو تهديدًا وجوديًا، بينما تعتبر الولايات المتحدة النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لها.
بهذا المعنى، يتضح أن كل قوة تستخدم منطق الأمن لتبرير سيطرتها ونفوذها في المنطقة المحيطة بها.
اهتمام روسيا بغرينلاند يركز بشكل أساسي على قربها من الطرق البحرية المهمة استراتيجيًا بين المحيطين القطبي والأطلسي، بما في ذلك مسارات الغواصات النووية، وحقيقة أن غرينلاند تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية رئيسة.
روسيا، في أوكرانيا، قامت بإجراء عسكري مباشر في عام 2022، أما أمريكا في غرينلاند فتهدد بتدخل عسكري وفرض رسوم جمركية لإجبار الدنمارك.
قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في مقابلة، إن أي عمل عسكري من قبل الولايات المتحدة ضد جزيرة دنماركية في القطب الشمالي سيلحق الضرر بحلف الناتو ويُسعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. سيجعل بوتين "أسعد رجل في العالم. لماذا؟ لأنه سيضفي الشرعية على محاولته غزو أوكرانيا".
كلا القوتين تتجاهلان أيضًا سيادة الدول الأصغر؛ فروسيا تعتبر أوكرانيا "جزءًا تاريخيًا" منها، وترامب يقول إن غرينلاند يجب أن تكون جزءًا من الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، فإن رؤية ترامب–بوتين–شي هي تقسيم العالم.
وتؤكد آن أبلباوم، وهي كاتبة ومحللة سياسية بارزة، تلك الرؤية، وتشير إلى وجود عالم مقسم إلى ثلاث مناطق نفوذ، تديرها ثلاث قوى عظمى، يروج لها بشكل أساسي الروس الذين يريدون المبالغة في قوة اقتصادهم الضعيف وتبرير حربهم في أوكرانيا.
أما معهد الشؤون الدولية الأسترالي فيطرح سيناريو مثيرًا: هل يمكنهم التوصل إلى صفقة غير معلنة تسمح لكل منهم بمتابعة طموحاته دون تدخل؟ تخيل عالمًا تهيمن فيه روسيا على أوكرانيا، وتؤكد الصين سيطرتها على تايوان، وتمتلك الولايات المتحدة نفوذًا على غرينلاند — بحكم الأمر الواقع إن لم يكن بحكم القانون — كل ذلك بموجب اتفاق ضمني على احترام مناطق نفوذ بعضهم البعض.
تحذر آن أبلباوم من أن سعي ترامب لمنطقة نفوذ وهمية من غير المرجح أن يجلب السلام أو الازدهار، تمامًا كما لم تجلب الحرب على أوكرانيا السلام والازدهار للروس، وقد يصبح هذا واضحًا في وقت أقرب مما يتوقع أي شخص.
فيما يرى مركز الأبحاث الأوروبي أن النتيجة الأكثر فورية للضربة الأمريكية على فنزويلا قد تُشعر بها، ليس في أمريكا اللاتينية، بل أولًا في أوكرانيا. وكما تنبأت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، فإن واشنطن تعتزم ترسيخ قوتها بقوة في نصف الكرة الغربي، بينما تترك روسيا والصين حرية أكبر في "ساحاتهما الخلفية".
قد يشهد عام 2026 موجة من الضم والتبادلات الإقليمية. على سبيل المثال، يأخذ ترامب غرينلاند بينما يأخذ بوتين الأرخبيل النرويجي سفالبارد. بعد كل شيء، لا يستثمر أي من القائدين بشكل كبير في المعاهدات والمنظمات الدولية. ويمكن أيضًا إبرام صفقة ساخرة للسماح لبوتين بالتصرف كما يشاء في أوكرانيا.
لكن استطلاعات الرأي تظهر مقاومة شعبية؛ إذ وجد مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، في استطلاع عام 2025 السنوي للأمريكيين حول السياسة الخارجية، أن أغلبية كبيرة من الأمريكيين تعارض استخدام القوة العسكرية لغزو غرينلاند (85%) وكندا (92%).
وعندما سُئل الجمهور عن شعورهم تجاه تخلي واشنطن عن الهيمنة الأمريكية في أوروبا لصالح روسيا مقابل حصول الولايات المتحدة على حرية التصرف في الأمريكتين، كانت النتيجة أن تسعة من كل عشرة أمريكيين يعتقدون أن "الولايات المتحدة لديها مصالح كثيرة جدًا في أوروبا للسماح لأي دولة واحدة بالهيمنة على المنطقة".
لذلك، فإن أوكرانيا وغرينلاند ليستا أزمتين منفصلتين، بل هما انعكاسان لظاهرة واحدة: عودة سياسة القوى العظمى والصراع على مناطق النفوذ. روسيا تدافع عن "مجالها الحيوي" في أوكرانيا بالقوة العسكرية، بينما تسعى أمريكا إلى توسيع سيطرتها في غرينلاند باستخدام التهديدات الاقتصادية والعسكرية.
التوازي مذهل ومقلق في آنٍ واحد. كلا القوتين تبرران أفعالهما بـ"المصالح الأمنية"، وكلاهما تتجاهلان سيادة الدول الأصغر، وكلاهما مستعدتان لاستخدام القوة أو التهديد بها.
والسؤال الحاسم الآن: هل سيقبل العالم التقسيم إلى مناطق نفوذ، أم ستقاوم الدول الصغرى والمتوسطة هذا النظام الجديد-القديم؟ الإجابة ستحدد شكل النظام الدولي للعقود القادمة.