أعلنت قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (NORAD) أن طائرات عسكرية تابعة لها ستصل "قريبًا" إلى غرينلاند للمشاركة في "أنشطة مخطط لها منذ فترة طويلة"، في خطوة تأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية، مع تصاعد الخلافات بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين بشأن مستقبل الإقليم القطبي.
ويأتي هذا الإعلان في وقت جدّد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بفرض تعريفات جمركية إضافية على ست دول في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب المملكة المتحدة والنرويج، وسط استمرار تصريحاته المثيرة للجدل حول رغبته في بسط النفوذ الأمريكي على غرينلاند، بحسب "فرانس إنفو".
جاء الإعلان عن الانتشار عبر حساب قيادة NORAD على منصة "إكس"، حيث أوضحت القيادة أن الطائرات ستتجه إلى قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرب غرينلاند، بهدف دعم أنشطة عسكرية "مخطط لها منذ وقت طويل"، وتعزيز التعاون الدفاعي القائم بين الولايات المتحدة وكندا ومملكة الدنمارك.
ورغم أهمية الإعلان، امتنعت قيادة NORAD عن الكشف عن عدد الطائرات المشاركة أو طبيعة المهام المحددة، كما لم تصدر وزارة الدفاع الكندية أو مكتب رئيس الوزراء أي توضيحات إضافية، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام كندية.
وتُعد NORAD قيادة عسكرية ثنائية أمريكية–كندية، تتمثل مهمتها الأساسية في مراقبة المجال الجوي لأمريكا الشمالية، ورصد وتتبع الأجسام الطائرة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والأقمار الصناعية، إضافة إلى التحذير المبكر من أي تهديد محتمل.
وترفع القيادة تقاريرها مباشرة إلى رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء كندا.
ستتمركز الطائرات في قاعدة بيتوفيك الجوية، المعروفة سابقًا باسم قاعدة ثول، والتي أُنشئت عام 1951 خلال ذروة الحرب الباردة.
وتُعد القاعدة اليوم أحد أهم المواقع المتقدمة لمنظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية، لا سيما في مواجهة أي تهديدات محتملة قادمة من روسيا عبر القطب الشمالي.
ويوضح خبراء عسكريون أن أي صواريخ باليستية عابرة للقارات متجهة نحو الولايات المتحدة يُرجح أن تمر عبر المسار القطبي، ما يمنح الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر في غرينلاند أهمية استراتيجية استثنائية.
ويشير الباحث إتيان ماركوز من مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية إلى أن "وجود قدرات كشف واعتراض في هذه المنطقة يمنح الولايات المتحدة أفضلية حاسمة في منظومة الرد".
وفي مارس 2025، زار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس القاعدة، في زيارة فسّرها مراقبون على أنها رسالة ضغط واضحة إلى كوبنهاغن. واتهم فانس حينها الدنمارك بالتقصير في الاستثمار بأمن غرينلاند، داعيًا إلى "تغيير هذا الوضع".
يأتي هذا التحرك العسكري في سياق توترات متنامية منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث لوّح مرارًا بإمكانية “السيطرة” على غرينلاند، معتبرًا إياها ذات أهمية حيوية للأمن القومي الأمريكي.
وفي 14 يناير الجاري، أعلنت الدنمارك رسميًا وجود "خلاف جوهري" مع الولايات المتحدة حول هذه القضية، وأكدت عزمها تعزيز وجودها العسكري في الجزيرة.
وعلى إثر ذلك، شاركت عدة دول أوروبية، بينها فرنسا وألمانيا والسويد والنرويج والمملكة المتحدة، في مهمة استطلاعية ضمن مناورة دنماركية في القطب الشمالي نُظمت بالتعاون مع حلف شمال الأطلسي.
من جانبها، شددت كندا على موقفها الداعم لسيادة الدنمارك وغرينلاند، إذ أكد رئيس الوزراء مارك كارني أن "مستقبل غرينلاند شأن يقرره شعبها"، معربًا في الوقت نفسه عن قلق أوتاوا من التصعيد الحالي. ولم يستبعد مسؤولون كنديون إمكانية مشاركة قوات كندية مستقبلًا في تدريبات عسكرية مشتركة بالجزيرة.
ورغم حساسية الظرف السياسي، حرصت قيادة NORAD على التأكيد أن عملية الانتشار تمت "بالتفويضات الدبلوماسية اللازمة"، وأنها تندرج ضمن عمليات دفاعية دورية تهدف إلى حماية أمريكا الشمالية، وليس تصعيدًا عسكريًا جديدًا.
رغم الطابع "المخطط له مسبقًا" للانتشار العسكري في غرينلاند، فإن توقيته وسياقه السياسي يجعلان منه خطوة ذات أبعاد استراتيجية ورسائل جيوسياسية واضحة، في وقت تتحول فيه الجزيرة القطبية إلى إحدى أبرز نقاط التنافس بين الحلفاء الغربيين والولايات المتحدة في عهد ترامب.